في محافظة شبوة، يبرز ملف شائك ومقلق يتعلق بالملكية الخاصة للأراضي، وما يرافقه من ممارسات تتم تحت لافتة «المصلحة العامة». فثمة حالات يبدو فيها أن أراضي المواطنين تُنتزع أو تُصادر بحجة إقامة مشاريع عامة، ثم ما تلبث هذه الأراضي، بعد أن تصبح تحت تصرف الدولة، أن تتحول إلى مواقع استثمارية أو مشاريع ذات طابع خاص، وكأن «المصلحة العامة» لم تكن سوى محطة مؤقتة للوصول إلى غاية أخرى.
المشكلة هنا ليست في الاستثمار بحد ذاته، ولا في إقامة المشاريع التجارية والتنموية، وإنما في الطريقة التي يتم بها التعامل مع ملكيات المواطنين والشفافية التي يفترض أن ترافق التصرف في الأراضي العامة والخاصة.
فحين تُنتزع أرض مواطن بحجة المصلحة العامة، فمن الطبيعي أن يكون السؤال: أين ذهبت تلك المصلحة؟ وإذا تغيرت وجهة استخدام الأرض وأصبحت مشروعًا استثماريًا، فلماذا لا تكون الأولوية لصاحب الأرض الأصلي الذي انتُزعت ملكيته باسم المصلحة العامة؟
هذا السؤال يقودنا إلى واحدة من أبرز الحالات التي تستحق التوقف عندها، وهي أرضية سوق الخضار المركزي بمدينة عتق. فقد أُخذت الأرض في الأساس تحت مبرر إقامة سوق مركزي للخضار يخدم سكان المدينة، لكن الموقع انتهى إلى مشروع تجاري أصبح معروفًا باسم «مول شبوة»، في حين بقيت المدينة، بحسب الواقع، بلا سوق مركزي للخضار يحقق الغرض الذي انتُزعت الأرض من أجله.
وهنا لا بد من طرح أسئلة مشروعة لا ينبغي أن تكون محرجة لأي سلطة تحترم حق المواطنين في المعرفة:
ما طبيعة الصفقة التي تم بموجبها التصرف في الأرض؟ هل هي استثمار أم تمليك؟ وما هي مدة الاستثمار إن كانت الأرض قد منحت للاستثمار؟ وما المقابل الذي حصلت عليه الدولة؟ وهل كان لأصحاب الأرض الأصليين أي حق أو أولوية في استعادة أرضهم أو الدخول في استثمارها؟
هذه ليست أسئلة تشكيك بقدر ما هي أسئلة شفافية ومساءلة. فالأرض التي انتُزعت من مواطن باسم المصلحة العامة لا ينبغي أن تتحول لاحقًا إلى غنيمة استثمارية يستفيد منها آخرون، بينما يُترك مالكها الأصلي خارج المشهد.
والأخطر من ذلك أن هناك حالات أخرى لأراضٍ سبق أن انتُزعت من أصحابها خلال مراحل سياسية سابقة، ثم صدرت لاحقًا قرارات وإجراءات تقضي بإعادتها إلى ملاكها الأصليين، ومع ذلك لا تزال محاولات التصرف فيها تحت ذريعة المصلحة العامة قائمة.
إذا كانت الدولة قد أقرت أصلًا بحق المالك في استعادة أرضه، فما الذي يبرر العودة إلى محاولة وضع اليد عليها من جديد؟
إن احترام الملكية الخاصة ليس منّة من السلطة، بل هو حق أصيل تحميه القوانين، ولا يجوز أن يصبح المواطن الحلقة الأضعف كلما دخلت أرضه في دائرة نفوذ السلطة أو مصالح المستثمرين.
والأكثر إيلامًا أن مبنى السلطة المحلية بالمحافظة نفسها أقيمت على أراضٍ مملوكة لمواطنين، في وقت لا يزال فيه ملاك تلك الأراضي ينتظرون منذ أكثر من عشرين عامًا تنفيذ أحكام قضائية قضت بتعويضهم.
أكثر من عشرين عامًا!
أي عدالة يمكن أن يتحدث عنها المواطن وهو يحمل حكمًا قضائيًا لصالحه، ثم ينتظر سنوات طويلة دون أن يحصل على حقه؟ وأي ثقة يمكن أن تبقى في مؤسسات الدولة حين يصبح تنفيذ الحكم القضائي نفسه أمرًا مؤجلًا إلى أجل غير معلوم؟
المشكلة، إذن، ليست مجرد أرض هنا أو مشروع هناك. القضية أعمق من ذلك؛ إنها قضية علاقة المواطن بالدولة، وحدود سلطة المسؤول، وقدسية الملكية الخاصة، واحترام القضاء، وحق المجتمع في معرفة كيف تُدار أراضيه ومقدراته.
ولا يمكن أن تكون «المصلحة العامة» شعارًا مفتوحًا يسمح بمصادرة ملكية مواطن ثم التصرف فيها لاحقًا لمصلحة أفراد أو مجموعات محددة. فإذا كانت المصلحة عامة فعلًا، فيجب أن تكون نتائجها عامة، وإجراءاتها معلنة، وقراراتها قابلة للمساءلة، وحقوق أصحاب الملكيات محفوظة.
أما أن يُقال للمواطن إن أرضك أُخذت من أجل مشروع عام، ثم يكتشف بعد سنوات أن الأرض تحولت إلى مشروع خاص أو استثماري، فهنا يصبح من حقه أن يسأل: أين هي المصلحة العامة؟ ومن المستفيد الحقيقي؟
شبوة ليست بحاجة إلى المزيد من الغموض في ملف الأراضي، وإنما بحاجة إلى شفافية كاملة في كل عمليات التصرف بالأراضي، وكشف العقود والاتفاقيات، وتوضيح مدد الاستثمارات، وإعلان الجهات المستفيدة، وتنفيذ الأحكام القضائية، ورد الحقوق إلى أصحابها.
فالاستثمار الحقيقي لا يقوم على ظلم أصحاب الأراضي، والتنمية لا تبدأ بمصادرة حقوق المواطنين، والمصلحة العامة لا يمكن أن تكون غطاءً لمصالح خاصة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر مرارة:
إذا كان المواطن قد سُلبت أرضه باسم المصلحة العامة، ثم حُرم من حقه فيها، ولم يُنفذ الحكم القضائي الصادر لصالحه، فمن الذي سينصفه؟
في شبوة، يبدو أن المواطن لا يواجه مشكلة في فقدان ملكيته فحسب، بل يواجه مشكلة أكبر: من يفترض أن ينصفه هو نفسه من يحتاج المواطن إلى أن يُنصفه منه.
الصحفي صالح حقروص
2026/8/27م