شبوة بين تزييف الواقع والحاجة إلى إصلاح حقيقي

الأربعاء - 26 أغسطس 2026 - 10:58 م


صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص
ارشيف الكاتب

لا يختلف اثنان على أن محافظة شبوة تمر بمرحلة صعبة على المستوى الأمني والإداري، وأن هناك إخفاقات واضحة في إدارة عدد من الملفات، وفي مقدمتها الأمن والفساد وحرية الصحافة والتعبير. وما يثير القلق أكثر ليس حجم التراجع وحده، بل حالة الصمت التي رافقت هذا التراجع، وكأن الحديث عن المشكلات أصبح أمراً غير مرغوب فيه.

منذ يناير 2026، ظلت مؤشرات التدهور الأمني حاضرة أمام الجميع، وشاهدها المواطنون يوماً بعد آخر. ومع ذلك، فضّل البعض الصمت والمجاملة، بينما انشغل آخرون بتقديم صورة مغايرة للواقع، وتصوير الأوضاع الأمنية في شبوة بصورة وردية لا تعكس ما يجري على الأرض.

المشكلة هنا لا تكمن في اختلاف وجهات النظر، فهذا أمر طبيعي، وإنما في أن يتحول الإعلام والخطاب العام من وسيلة لكشف الخلل ومساءلة المسؤولين إلى أداة لتجميل الواقع وتبرير الإخفاقات. وعندما يصبح بعض أصحاب الأقلام أسرى للمصالح والمكاسب، فإن الخاسر الأول والأخير هو المواطن، الذي يجد نفسه أمام واقع مختلف تماماً عن الصورة التي تقدم له.

ومن الملفات التي تستحق الوقوف أمامها ملف أفراد شرطة شبوة. فبحسب ما هو متداول، كان نحو 1100 فرد من أفراد الشرطة يتلقون دعماً شهرياً من دولة الإمارات العربية المتحدة، بواقع 400 ريال سعودي للفرد، قبل أن يتوقف هذا الدعم منذ يناير 2026.

وهنا يبرز سؤال مشروع: لماذا لم يتحول هذا الملف إلى قضية عامة تستحق النقاش والمطالبة بالحل؟ ولماذا لم تُطرح مسؤولية الأطراف التي أصبحت صاحبة النفوذ والدور الأكبر في المشهد الأمني والسياسي في الجنوب؟

إن تغيير الأدوار والنفوذ بين الأطراف الإقليمية لا ينبغي أن يكون على حساب المؤسسات الأمنية أو أفرادها أو حياة المواطنين. وإذا كانت هناك التزامات أو ترتيبات مالية وأمنية سابقة، فمن حق الناس أن يعرفوا مصيرها، ومن حق أفراد الأجهزة الأمنية أن يعرفوا من يتحمل مسؤولية استمرار الدعم أو تعويضه.

والأهم من ذلك أن تحميل طرف واحد كامل المسؤولية عن الوضع الراهن لن يكون كافياً لفهم المشكلة. فالسلطة تتحمل مسؤوليتها المباشرة عن إدارة المحافظة، والأطراف الداعمة تتحمل مسؤوليتها السياسية والأخلاقية تجاه نتائج سياساتها، كما يتحمل الإعلام وأصحاب الأقلام مسؤولية أخلاقية عندما يتجاهلون الخلل أو يساهمون في تقديم صورة غير حقيقية عنه.

إن شبوة لا تحتاج اليوم إلى مزيد من التطبيل، ولا إلى صناعة صورة مثالية على الورق، بينما المواطن يعيش تفاصيل مختلفة على أرض الواقع. ما تحتاجه المحافظة هو الاعتراف بالمشكلة أولاً، ثم فتح الملفات الأمنية والإدارية بشفافية، ومحاسبة المقصرين، وحماية حرية الصحافة والتعبير، وإعادة الاعتبار للمؤسسات الأمنية بعيداً عن التجاذبات والمصالح.

الإصلاح لا يبدأ بإنكار الواقع، ولا يمكن بناء الاستقرار بتجميل الأزمات. الاستقرار الحقيقي يبدأ عندما يقال للمسؤول: أخطأت، وللمواطن: من حقك أن تسأل، وللصحفي: من حقك أن تنتقد، وللمؤسسة الأمنية: من واجبنا أن نوفر لك الدعم والموارد التي تمكنك من أداء مهمتك.

شبوة بحاجة إلى تغيير حقيقي وإصلاح جاد، لا إلى صورة جميلة تخفي واقعاً مأساوياً. فالحقيقة، مهما كانت قاسية، تبقى أفضل من الوهم، والنقد المسؤول مهما كان مزعجاً يظل أكثر فائدة من المجاملة التي قد تؤدي في النهاية إلى تعميق الأزمة.

شبوة لا تحتاج من يصفق للواقع، بل تحتاج من يملك الشجاعة ليقول الحقيقة ويساهم في إصلاحها.


الصحفي صالح حقروص

2026/8/26م