د. علي العسلي
تتوارى الإرادات أحياناً خلف قناع التريّث والعقلانية والتكتيك، وخلف الأخذ بنصائح الأشقاء والأصدقاء مأخذ الجد والاعتبار؛ وهذا في ذاته ليس عيباً ولا تردداً، ما دام يخدم هدفاً واضحاً ويقود إلى قرار محسوب. لكن السكون حين يطول في لحظة تاريخية كهذه، لا يعود مجرد مناورة عسكرية، بل يبدأ في ملامسة حدود الجمود القاتل. -فهل يُعقل أن يكون الخراب يقرع الأبواب، وأن تكون الفرصة لا تزال مواتية، ثم تبقى الجبهات صامتة والقرار مؤجلاً؟-
والخراب هنا ليس مجرد مبانٍ مهدمة أو مدن أنهكتها الحرب؛ إنه خراب دولة تتآكل مؤسساتها، ومجتمع أنهكته سنوات الصراع، وملايين ينتظرون الخلاص تحت سلطة السلاح، ومستقبل يوشك أن يُصاغ بعيداً عن إرادة اليمنيين. والخراب لا يأتي دائماً على ظهر دبابة؛ -أحياناً يدخل من باب التردد، ويتسلل من شقوق السكون، ويتحول مع الوقت من خطر يُخشى إلى أمر واقع يصعب تغييره.-
حين اجتمعت القيادة بوسائل الإعلام المحلية، استبشر اليمنيون خيراً، وظن كثيرون أن ذلك اللقاء كان إيذاناً بمرحلة جديدة، وأن ساعة الفعل قد اقتربت، وأن ما أُعلن من جاهزية واستعداد وانعقاد دائم لمجالس القيادة والأجهزة المعنية سيجد ترجمته على الأرض. لكن ذلك الزخم الذي أشعلته التصريحات سرعان ما خفت، كما ينطفئ سراج بدائي في ظلمة الليل في ريف اليمن، تترصده نفحة هواء عابرة، ولم يبقَ في مواجهة العتمة سوى «سراج تعز ومأرب» يواصلان مقاومة الصمت، ويذكران بأن في جسد المعركة نبضاً لم ينطفئ بعد.
أما عن المعنويات، فمعنويات الجمهوريين لم تنطفئ ولن تنطفئ؛ لأنها أعمق من ظرف عابر وأرسخ من أن تهزمها حالة انتظار. لكنها عند الحاضنة الشعبية، وعند عامة الناس، بدأت تتآكل شيئاً فشيئاً. وهي لم ترتفع أصلاً بفعل الإعلام وحده، وإنما تشكلت عبر تراكم الرفض الشعبي لمشروع الحوثي، وبفعل ما ارتكبته الجماعة من جرائم وانتهاكات تجاوزت كل الحدود، وما راكمته من معاناة جعلت الخلاص منها مطلباً يتجاوز الحسابات الحزبية والسياسية.
لكن حتى المعنويات الراسخة تحتاج إلى قيادة حاضرة، وإلى فعل يترجم الأمل إلى واقع؛ وإلا تحولت بشائر النصر إلى انتظار، وتحول الانتظار الطويل إلى إحباط، والإحباط ـ خصوصاً لدى من يعيشون تحت سلطة الحوثي ـ إلى حالة خطرة لا ينبغي للشرعية أن تستهين بها.
وعندما أعلنت جماعة الحوثي ـ الحرس الثوري الإيراني، إنهاء الهدنة والعودة إلى التصعيد وفرض حصارها البحري على المملكة، تشجعت الشرعية، ورأينا منها نفساً لم نألفه من قبل؛ ارتفع الخطاب، وتعالت نبرة الرد والردع، وبدا أن هناك استعداداً للانتقال من البيانات إلى الفعل. وعلى وقع ذلك، أرسلت وسائل الإعلام مراسليها إلى الخطوط الأمامية، بعدما صدّقت جدية القيادة وإرادتها المعلنة للتحرير، وإن بدت تلك الإرادة أحياناً مترددة أو خجولة في ترجمتها الميدانية.
لكن المراسلين اصطدموا بمشهد مختلف تماماً: «هدوء يسود الجبهة»، وقادة عسكريون مهندمون يجرون لقاءاتهم مع الموفدين الإعلاميين وكأنهم في مناسبة رسمية، بينما لا يجد المراسل في الميدان ما ينقله سوى بعض المناوشات المحدودة. وفي الجهة الأخرى، لا تتوقف بيانات الحوثيين ورسائلهم الإعلامية عن الحضور والتصعيد، فتملأ الفراغ الذي تركته رواية الشرعية، وتوحي لجمهورها بأن الطرف الآخر هو الذي يملك المبادرة والحضور.
-وهنا تكمن الخطورة.-
-فالفراغ لا يبقى فراغاً؛ حين تتراجع رواية الدولة، تتقدم رواية خصمها-، وحين يتأخر الفعل، يبدأ الآخرون في تفسير التأخير نيابة عن القيادة.
ولعل أخطر ما بدأ يتداول في هذا السياق ما كشفه الكاتب السعودي علي العريشي عن «رؤية» منسوبة للحوثيين لشكل الدولة بعد التسوية؛ رؤية تقوم، بحسب ما أورده، على إعادة تركيب الدولة من أساسها، بحيث يصبح عبدالملك الحوثي «قائداً للثورة وزعيماً أعلى لليمن»، وتتحول الميليشيات إلى «حرس للثورة» يأتمر بأمره، على غرار الحرس الثوري الإيراني، بينما يبقى الجيش جيشاً للدولة ولكن في إطار محدود التسليح، وتمارس الأحزاب نشاطها تحت سقف هذه المنظومة.
إذا صح هذا التصور، فنحن لا نتحدث عن خلاف على حكومة أو حقائب أو ترتيبات انتقالية، بل عن تصور يريد أن يجعل الأمر الواقع الذي فرضه السلاح أساساً لنظام سياسي دائم.
وهنا يصبح الصمت أكثر كلفة.
وفي المقابل، جاءت كلمات سلطان البركاني، وأحمد عبيد بن دغر، وأحمد علي عبدالله صالح، في الذكرى الرابعة والأربعين لتأسيس المؤتمر الشعبي العام، لتلتقي عند عناوين واضحة: تجاوز الخلافات، ودعم الشرعية، وتوحيد الصف، وتعميق تحالف المواجهة، واستعادة الدولة والجمهورية وصولاً إلى صنعاء. وبصرف النظر عن اختلاف مواقع أصحابها، فإن تقاطع رسائلهم يعكس قراءة بأن اليمن دخل مرحلة مختلفة، وأن القوى الوطنية مطالبة بالخروج من أسر الماضي والهدن والانتظار المفتوح، والاستعداد لما تفرضه المرحلة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: -أين ترجمة هذه الرسائل على الأرض؟-
فالكلمات مهما كانت قوية لا تحرر أرضاً، والبيانات مهما كانت مؤثرة لا تستعيد عاصمة، والجبهات لا تتحرك بالتمنيات.
وفي هذا السياق، أتفهم حالة الإحباط التي عبّر عنها بعض الكتاب، ومنهم حسين البهام، حين ذهب إلى أن استعادة صنعاء قد تعني سقوط مجلس القيادة الرئاسي وانتهاء المرحلة السياسية القائمة. أفهم مصدر هذا الرأي، خصوصاً أن الإحباط أصبح واسعاً، وهو أشد وأقسى في المناطق الخاضعة للحوثيين، حيث يعيش الناس تحت وطأة القمع والفقر والخوف، وينظر كثير منهم إلى الشرعية باعتبارها نافذة الخلاص.
-لكنني أختلف جذرياً مع النتيجة.-
-استعادة صنعاء لن تكون سقوطاً لمجلس القيادة الرئاسي، بل قد تكون لحظة تتويجه.-
إذا نجحت القيادة في تحرير العاصمة، فلن تصبح بلا مهمة كما يتصور البعض؛ بل ستتحول من قيادة لمرحلة انتقالية إلى قيادة أنجزت المهمة التاريخية الأكبر: إعادة الدولة إلى عاصمتها. وستكون أمامها فرصة تدشين الجمهورية اليمنية الثانية على قاعدة الدولة والمؤسسات والدستور والقانون. ولن يكون قادة التحرير هم الخاسرين من النصر؛ بل سيكونون أبطاله، وقد يكونون أكثر من يملك شرعية سياسية وأخلاقية لقيادة المرحلة التي تليه.
إن الخوف من استحقاقات ما بعد التحرير لا ينبغي أن يتحول إلى سبب لتعطيل التحرير؛ فالانتصار هو الذي يصنع استحقاقات المرحلة التالية، وليس الخوف منها ما يبرر تأجيل المعركة. أما الخطر الحقيقي، فهو أن يطول الانتظار حتى يفقد الناس ثقتهم، ويتسع الإحباط في مناطق الحوثي، ويجد بعض من أنهكتهم المعاناة في تردد الشرعية سبباً للاندفاع نحو خيارات لا يريدونها أصلاً؛ لا حباً بالحوثي، وإنما نكايةً في العجز والانتظار.
وهنا تحديداً ينبغي أن تنتبه القيادة: حين يُغلق باب الأمل أمام الناس، قد يفتحون ـ تحت وطأة اليأس ـ أبواباً لا يريدونها. وعندها لن تكون الخسارة مجرد تراجع في المعنويات أو ضياع فرصة عسكرية، بل قد تجد الشرعية نفسها أمام واقع أكثر تعقيداً، ويكون اليمن قد اقترب خطوة أخرى من المشروع الذي حذّرنا منه.
لقد حذّر اللواء أحمد الفيفي من هذا الاحتمال، مشيراً إلى أن أي تراجع من الشرعية عن إعلان حرب تحرير صنعاء قد يدفع البعض إلى رفع «الصرخة» نكاية بالشرعية، لا حباً بالحوثي. وهذه ليست جملة عابرة؛ إنها رسالة ينبغي أن تُسمع قبل أن يتحول الإحباط إلى موقف.
بالأمس قلنا للجميع: انتبهوا إلى المشروع الذي يريد الحوثي أن يصنعه لليمن بعد التسوية. واليوم نقول للقيادة: ا-نتبهوا إلى اللحظة التي يمكن أن تمنعوا فيها ذلك المشروع، ولا تجعلوا التردد يهزمكم قبل المعركة.-
فالتاريخ لا يحاسب فقط على القرارات التي اتُّخذت، بل يحاسب أيضاً على الفرص التي أُهدرت حين كان يمكن اغتنامها.
إن استعادة صنعاء ليست مجرد هدف عسكري يضاف إلى سجل الانتصارات، وإنما هي اللحظة التي سيُختبر فيها مدى ترجمة ما أعلنته القيادة عن الجهوزية والإرادة والقدرة على الفعل. وقيمة القرار اليوم لا تقاس فقط بما سيحققه في الميدان، بل بما سيعيده إلى الناس من ثقة، وإلى الجبهات من مبادرة، وإلى المناطق الخاضعة للحوثي من أمل بأن الخلاص ممكن وقريب.
وإذا كانت القيادة تخشى استحقاقات اليوم التالي، فعليها أن تدرك أن -التردد نفسه يصنع استحقاقات أخطر من استحقاقات النصر-؛ لأن إطالة الانتظار تمنح الخصم فرصة لترتيب صفوفه، وتمنح اليأس فرصة للتغلغل في النفوس، وتحوّل اللحظة التي كان يمكن أن تكون بداية تحول تاريخي إلى فرصة ضائعة.
يا أصحاب القرار في مجلس القيادة الرئاسي، لقد طال الانتظار بما يكفي. قد تكون لديكم حسابات لا نعرفها، وقد تكون لديكم اعتبارات لا يراها الجمهور، لكنكم أنتم من يتحمل مسؤولية القرار، وأنتم من سيُسأل عنه أمام الله والوطن والتاريخ.
فلا وقت بعد اليوم لإطالة الانتظار، ولا مجال لأن تتحول الحسابات إلى تأخير، ولا مبرر لأن يسبقنا الزمن إلى فرصة أخرى.
إن كانت الجهوزية قد اكتملت، فليأتِ القرار. وإن كانت ساعة الفعل قد حانت، فلا تجعلوا الخوف من الغد سبباً لإضاعة اليوم.
سابقوا الزمن قبل أن يسبقكم الإحباط، وبادروا قبل أن تصبح المبادرة في يد خصمكم.
استعيدوا صنعاء، لا باعتبارها نهاية الطريق، بل باعتبارها اللحظة التي يستعيد فيها اليمنيون ثقتهم بأن دولتهم قادمة، وجمهوريتهم باقية، وأن هذا الليل ـ مهما طال ـ ليس قدراً أبدياً.
-فالخراب الذي يقرع الأبواب لا ينتظر طويلاً، والفرص التاريخية لا تبقى مفتوحة إلى الأبد.-
-وأنتم، يا أصحاب القرار، لستم المشكلة؛ أنتم تملكون فرصة. فلا تضيعوها. والنصر الذي تستعيدون به صنعاء لن يهدم موقعكم، بل سيحفظه ويمنحكم شرف اللحظة التي أعاد فيها اليمنيون دولتهم إلى عاصمتها.-
-القرار الآن، لا غداً؛ فالتاريخ لا ينتظر المترددين-.