لا رشاد العليمي «مسعود بزشكيان» ولا عبدالملك الحوثي «خميني» أو «خامنئي»!

الإثنين - 24 أغسطس 2026 - 09:02 م


د.علي العسلي
بقلم: د.علي العسلي
ارشيف الكاتب

تزامنت خطابات قادة المؤتمر الشعبي العام في الذكرى الرابعة والأربعين لتأسيسه مع حديث متزايد عن لحظة يمنية مختلفة، وكأن كلمات سلطان البركاني وأحمد عبيد بن دغر وأحمد علي عبدالله صالح لم تكن مجرد خطابات مناسبة، وإنما قراءات لما يعتقدون أنه يقترب: لحظة تحول تستوجب طي خصومات الماضي، وتعميق تحالف المواجهة، ودعم الشرعية، واستعادة الدولة والجمهورية والقرار الوطني، والاستعداد لما بعد هذه اللحظة.


فالبركاني تحدث عن لحظة تاريخية تستوجب تجاوز الخلاف، وتعميق تحالف المواجهة، ودعم كل جهد يستهدف استعادة الدولة، مؤكداً أن المعركة أكبر من خلاف حزب أو جماعة، وأنها معركة وطن يريد استعادة دولته من مشروع إمامي يسعى إلى إعادة تشكيل اليمن وفق منطق الكهنوت والغلبة. وبن دغر ذهب في الاتجاه ذاته، ولكن بنبرة أكثر اقتراباً من الحسم، حين تحدث عن اقتراب نهاية المحنة وعن «فجر الحرية الثاني»، وربط ذلك بهزيمة الحوثيين واستعادة الدولة، داعياً إلى تعميق تحالف المواجهة ومساندة الشرعية.


أما أحمد علي عبدالله صالح، فكان خطابه ـ في تقديري ـ أكثر دلالة من مجرد الدعوة إلى توحيد الصف؛ لأنه حمل تطوراً واضحاً في موقف ظل طويلاً محاطاً بالصمت. فقد تحدث صراحة عن استعادة الدولة والقرار الوطني، وإنهاء الانقسام وحماية الجمهورية، ودعا مجلس القيادة والحكومة ومؤسسات الدولة إلى الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة الحل، والعودة إلى الداخل وتحمل المسؤولية بين الناس، مؤكداً أن الطريق إلى صنعاء لا يمر عبر اقتتال القوى المناهضة للانقلاب أو تصفية الحسابات، وإنما عبر تحالف وطني عريض وجبهة جامعة تضم القوى السياسية والعسكرية والاجتماعية، هدفها استعادة الدولة والنظام الجمهوري وإنهاء الانقلاب.


ولفتني في موقف أحمد علي تحديداً أنه ينتقد أداء الشرعية من موقع الاعتراف بها، لا من موقع إسقاطها. فهو يطالبها بالأداء الأفضل، والعودة إلى الداخل، وتوحيد القرار والمؤسسات وتحمل المسؤولية، لكنه لا ينزع عنها صفتها الشرعية ولا يطرح بديلاً عنها. وهذه نقطة أقرأها سياسياً لا دفاعاً عن الرجل؛ فمن يعترف بالشرعية ثم ينتقد أداءها، ويدعو إلى دعمها وتوحيد الصف حولها واستعادة الدولة، يبدو أنه يرى نفسه داخل المعادلة الوطنية لا خارجها. بل إن حديثه عن العودة إلى الداخل والحضور بين الشعب يحمل، في تقديري، ما قد يكون تمهيداً لعودة محتملة؛ إذ لا يمكن لمن يريد قيادة جبهة وطنية عريضة واستعادة الجمهورية أن يظل طويلاً صوتاً من الخارج. والعودة، إن حدثت، ينبغي أن تكون عودة موقف وقدوة وحضور، لا مجرد عودة شخص.


وهنا تكتسب كلمات الثلاثة الكبار في المؤتمر دلالتها الأهم؛ فالبركاني يتحدث من موقع رئاسة مجلس النواب وقيادة المؤتمر، وبن دغر من موقع رئاسة مجلس الشورى وقيادة المؤتمر، وأحمد علي من موقع قيادي في المؤتمر، ومع اختلاف مواقعهم تلتقي رسائلهم عند عناوين تكاد تكون واحدة: تجاوز الخلاف، ودعم الشرعية، وتعميق تحالف المواجهة، وتوحيد القوى، وهزيمة الحوثيين، واستعادة الدولة والجمهورية وصولاً إلى صنعاء. وهذا التقاطع، في هذا التوقيت تحديداً، يصعب اختزاله في خطاب مناسبة حزبية؛ فهو يعكس، على الأقل، قراءة مشتركة بأن المشهد اليمني دخل مرحلة مختلفة، وأن المطلوب من القوى الوطنية ألا تبقى أسيرة حسابات المرحلة السابقة، بل أن تستعد لما تفرضه المرحلة المقبلة وما بعدها.


لكن الأخطر في المشهد ليس ما قيل عن لحظة الحسم، بل ما يُراد أن يكون عليه اليوم التالي!


في الجهة الأخرى، ظهرت رواية مختلفة تماماً لما بعد الحرب، فيما أورده الكاتب السعودي علي العريشي تحت عنوان «وجهة نظر». ونحن نحترم وجهة نظر الكاتب، لكن ما أورده ـ إن صح ـ يتجاوز بكثير حدود الرأي والتحليل؛ لأنه يكشف عن تصور سياسي متكامل لشكل اليمن الذي يريد الحوثيون أن يكون عليه بعد التسوية. والأهم أن العريشي نفسه يقول: «ربما آن الأوان للحديث عما يسمى خارطة الطريق الحوثية، أو بمعنى أدق، رؤية الحوثيين للحل السياسي الشامل في اليمن».


وهنا تكمن القنبلة التي تستحق أن نتوقف أمامها طويلاً.


فبحسب ما كشفه العريشي، لا يريد الحوثيون مجرد حصة في حكومة، ولا ضمانات سياسية، ولا ترتيبات انتقالية، ولا حتى شراكة تحفظ لهم نفوذاً؛ وإنما يطرحون ـ بحسب هذه الرؤية ـ إعادة تركيب الدولة من أساسها: عبدالملك الحوثي «قائداً للثورة وزعيماً أعلى لليمن»، والميليشيات تتحول إلى «حرس للثورة» يتبع الزعيم مباشرة ويأتمر بأمره، على غرار الحرس الثوري الإيراني، بينما يبقى الجيش جيشاً للدولة، ولكن مع ضمان محدودية تسليحه، وتمارس الأحزاب نشاطها السياسي والانتخابي تحت سقف هذه المنظومة.


أي إن المطلوب، باختصار، دولة لها حكومة وبرلمان وانتخابات وجيش، لكن القرار الحقيقي يبقى خارج كل ذلك: عند زعيم الثورة، وتحت حماية قوة مسلحة لا تخضع للدولة.


إذا صح هذا الطرح، فنحن لا نتحدث عن خلاف على حكومة أو حقائب أو ترتيبات انتقالية، وإنما عن إعادة تعريف للدولة نفسها: مرجعية فوق مؤسساتها، وزعيم فوق رئيسها، وسلاح فوق جيشها، وجماعة فوق مؤسساتها، وأيديولوجيا فوق دستورها.


وهل يعقل أن تنقلب جماعة مسلحة على الدولة، وتصادر مؤسساتها، وتحتل عاصمتها، ثم تشترط أن يكون قائدها «زعيم الثورة» والمرجعية العليا فوق الدولة، وأن تحتفظ بقوة عسكرية فوق الجيش، ثم يُطلب من اليمنيين أن يناقشوا ذلك كأنه مجرد بند تفاوضي؟ أي انقلاب هذا الذي يريد أن يتحول إلى دولة، وأي تسوية تلك التي تمنح الانقلاب حق إعادة صياغة الدولة على صورته؟


وهل لا يخجل الحوثي أن يعرض على اليمنيين، أو على من يفاوضهم باسم اليمن، بعد كل ما فعله بالدولة والجمهورية، نسخة يمنية من نظام «الولي الفقيه»؟ أن يطلب زعيماً أعلى فوق الدولة، وحرساً للثورة فوق الجيش، ومرجعية فوق الدستور، ثم يريد من اليمنيين أن يناقشوا ذلك وكأنه مجرد خيار سياسي؟


لقد سقطت الأقنعة هنا؛ فالمسألة لم تعد خلافاً على حكومة أو شراكة أو شكل دولة، وإنما على سؤال أبسط وأخطر: هل يبقى اليمن جمهورية تحكمها المؤسسات والدستور، أم يتحول إلى دولة لها مؤسسات في الواجهة و«مرشد» في الأعلى؟


وهنا تبرز نقطة أخرى لا ينبغي أن تمر بلا قراءة. فهذه الرؤية، كما عرضها العريشي، لا تبدو مطروحة على الشرعية أصلاً؛ فالطرف الذي لا يعترف بها، ولا يتعامل معها باعتبارها صاحبة الولاية على الدولة، لا يُفهم أن يقدم لها مشروعاً لتوقيع مستقبل اليمن. وإذا كانت هذه الرؤية قد خرجت فعلاً من قنوات التفاوض والاتصال، فإن الأقرب ـ منطقياً ـ أنها طُرحت عبر القنوات التي فتحتها الوساطة العمانية بين الحوثيين والمملكة، لا باعتبارها عرضاً مقدماً للشرعية، وإنما باعتبارها تصور الحوثيين لما يريدونه من التسوية ومن شكل اليمن القادم.


وهنا تصبح المسألة أخطر بكثير؛ لأننا لا نتحدث عن ورقة تفاوضية بين يمنيين، وإنما عن مشروع تحاول جماعة انقلابية أن تضع شروطه أمام دولة إقليمية معنية بالملف، بينما تستبعد الطرف الذي تمثل به الدولة اليمنية في المرجعيات المعتمدة. فإذا كان الحوثي يعرض مثل هذا التصور، فهو لا يتفاوض على إنهاء الانقلاب بقدر ما يتفاوض على ثمن الاعتراف بنتائجه، وعلى الطريقة التي يمكن بها تحويل الأمر الواقع الذي فرضه بالسلاح إلى نظام سياسي دائم.


والأشد خطورة أن كثيراً ممن يقاتلون اليوم في صفوف الحوثيين من أبناء اليمن قد لا يدركون أن ما يُطلب منهم الدفاع عنه يقود، في جوهره، إلى هذا المشروع؛ فقد جرى استدراج كثيرين بشعارات دينية ووطنية براقة، وبعناوين مواجهة العدوان والاستقلال والسيادة، بينما يبقى جوهر المشروع بعيداً عن وعي كثير من المغرر بهم. ولذلك فإن كشف هذه الرؤية لا ينبغي أن يكون موجهاً إلى خصوم الحوثي وحدهم، بل إلى أولئك الذين يقاتلون معه أيضاً: إلى أي يمن تُساقون؟ وأي نظام تريدون أن ينتصر؟


أما ما أورده العريشي عن أن المملكة لم تعلق على هذه الرؤية بالموافقة أو الرفض، وأنها ستترك لليمنيين تقرير مستقبلهم، فأنا لا أعتقد أن الأمر بهذه البساطة، من دون أن أنسب إلى الرياض موقفاً رسمياً لم تعلنه. فطبيعة الدور السعودي في اليمن ومرجعياته، من المبادرة الخليجية إلى قرارات الشرعية الدولية، فضلاً عن مقتضيات أمن المملكة القومي، تجعل افتراض قبولها بإعادة إنتاج المشروع الحوثي، ولو في صورة تسوية سياسية، أمراً يصعب تصوره. فالمملكة لم تتدخل دعماً للشرعية لكي تمنح الانقلاب فرصة التحول إلى صيغة دستورية، ولا يمكن فصل القضية اليمنية عن أمنها وحدودها ومخاطر المشروع الإقليمي الذي يحمله الحوثيون.


ثم إن الشرعية نفسها تعلن باستمرار أن علاقتها بالمملكة تقوم على شراكة استراتيجية، وأن البلدين يقفان في جوهر معركة استعادة الدولة على أرضية واحدة؛ ولذلك يصعب تصور أن تقبل الشرعية صيغة تنسف أساس وجودها وتعيد إنتاج الانقلاب، ثم تكون المملكة في المقابل مستعدة لقبولها، حتى وإن لم يصدر عنها إعلان صريح بذلك. وفي القضايا المصيرية، ليس كل ما لا يُعلن يُفهم منه القبول، كما أن الصمت لا ينبغي أن يُحمّل أكثر مما يحتمل.


أما القول بأن «اليمنيين وحدهم يقررون» فيحتاج قبل ذلك إلى شرط لا يمكن القفز عليه: أن يكون اليمنيون أحراراً في الاختيار. فكيف يُطلب من شعب صُودر قراره، ومُزقت جغرافيته، وأُخضع قسم منه لسلطة السلاح والقمع والحصار، أن يقرر بحرية ما إذا كان يريد مرجعية جماعة مسلحة فوق دولته؟ لا يُستفتى الشعب تحت سيف المتسلط، ولا تتحول نتائج الانقلاب إلى شرعية لمجرد أن يُطلب من الضحية أن يصوّت على شكل القيد الذي سيُوضع في يده.


أما الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، فإذا عُرض عليهما مثل هذا الأمر، فلا أرى أن أمامهما إلا موقفاً واحداً ينسجم مع التفويض الذي يحملانه: قرار الدولة باستعادة ما اغتُصب منها، وإنهاء الانقلاب، وتمكين مؤسساتها من العودة إلى العاصمة. فهما ليسا مفوضين بتسليم اليمن لمشروع الانقلاب، ولا بإعادة تأسيس الدولة وفق شروط الجماعة التي صادرتها بالقوة. ومهمتهما اليوم استعادة الدولة، وحماية الجمهورية، وتهيئة الظروف لعملية سياسية يمنية حرة وشاملة؛ وبعد استعادة الدولة وعودة مؤسساتها، يكون لكل يمني وحزب ومكون الحق في طرح مشروعه السياسي كما يشاء، ويكون الشعب وحده صاحب القرار؛ لا الجماعة، ولا السلاح، ولا مرجعية فوق الدولة.


ولهذا أقولها بوضوح: المسألة لم تعد تحتمل التردد. فإذا كانت هناك بالفعل رؤية حوثية تريد أن تجعل من عبدالملك الحوثي «زعيم الثورة» ومن ميليشياته «حرساً للثورة»، فهذه ليست تسوية ينبغي انتظارها، وإنما إنذار ينبغي أن يوقظ كل يمني وكل قوة وطنية قبل فوات الأوان.


على الجميع أن ينهض، وأن يصطف، وأن يدرك أن الخطر ليس فقط فيمن يسيطر على صنعاء اليوم، بل في المشروع الذي يريد أن يسيطر على اليمن غداً، حتى لو خرج من صنعاء ببدلة سياسية وربطة عنق، واحتفظ في يده بمفتاح السلاح والمرجعية والقرار.


فالمعركة ليست فقط أن نصل إلى صنعاء؛ بل أن نصل إليها ومعنا الدولة. وليست القضية أن نستعيد المؤسسات؛ بل أن نستعيد السلطة الحقيقية للدولة فوق كل جماعة وسلاح ومرجعية.


وإن استعدنا العاصمة ولم نستعد الجمهورية، لم ننهِ الانقلاب؛ وإن استعدنا المؤسسات وتركنا فوقها مرجعية مسلحة، لم نستعد الدولة.


لذلك فإن الاصطفاف المطلوب اليوم ليس اصطفافاً لحزب ضد حزب، ولا لجماعة ضد جماعة، وإنما اصطفاف لاستعادة الدولة والجمهورية والقرار الوطني. وبعدها فقط يستطيع اليمنيون أن يختلفوا كما يشاؤون، ويطرحوا مشاريعهم كما يشاؤون، ويحتكموا إلى صندوق الاقتراع لا إلى فوهة البندقية.


وبالنتيجة أقول: لا رشاد العليمي «مسعود بزشكيان»، ولا عبدالملك الحوثي «خميني» أو «خامنئي».


رشاد العليمي رئيس في جمهورية يمنية، والمرجعية فيها للشعب والدستور، والسلاح للدولة، والقرار للدولة.


وعبدالملك الحوثي، مهما تغيرت عناوين التسوية أو طال أمد الانقلاب، لا يملك حقاً تاريخياً أو دينياً أو ثورياً يجعله فوق اليمنيين، ولا يملك أن يكون مرجعاً فوق الدولة أو بديلاً عن مؤسساتها؛ ومكانه، بعد استعادة الدولة، أمام قضاء عادل ونزيه يحاسبه على ما نُسب إليه من جرائم وانتهاكات وكوارث بحق اليمن واليمنيين.


تلك هي المعركة التي يجب أن نفهمها قبل أن يفوت الأوان: استعادة صنعاء، نعم؛ لكن الأهم أن نستعيد معها الجمهورية والدولة والقرار الوطني، وأن تعود اليمن دولةً يحكمها الدستور والقانون، لا السلاح ولا الكهنوت.