٤٤ عامًا على المؤتمر الشعبي العام... من الميثاق الجامع إلى الانقسام المانع

الإثنين - 24 أغسطس 2026 - 08:56 ص


د.علي العسلي
بقلم: د.علي العسلي
ارشيف الكاتب

في الرابع والعشرين من أغسطس 1982، تأسس المؤتمر الشعبي العام في صنعاء، ليصبح خلال عقود واحدًا من أهم العناوين السياسية في تاريخ اليمن الجمهوري. وفي هذه الذكرى الرابعة والأربعين،أرفع باسمي أصدق التهاني إلى قيادة المؤتمر وكوادره وقواعده في الداخل والخارج، متمنيًا للمؤتمر أن يستعيد عافيته ودوره الوطني، وأن يكون حاضرًا في معركة استعادة الدولة والجمهورية.


لكن قصة المؤتمر لا تبدأ في ذلك اليوم؛ فهناك فارق بين عمر الفكرة وعمر التنظيم: أربعة وأربعون عامًا على التأسيس الفعلي، ونحو تسعة وأربعين عامًا على ولادة الفكرة الأولى في عهد الرئيس الشهيد إبراهيم محمد الحمدي.


ففي عام 1977، كان الحمدي يعمل على بلورة إطار وطني جامع يتجاوز الانقسامات السياسية والاجتماعية، ويمنح الشعب دورًا في صياغة مستقبل الدولة. وفي الحديدة، في الرابع من أبريل من ذلك العام، تحدث أمام لجنة الإعداد للمؤتمر عن الغاية من هذا الإطار، وعن ضرورة أن يتلمس ما يريده الشعب، وأن يمنح البلاد عمقًا اجتماعيًا وضمانات أقوى.


ولم تكن فكرة المؤتمر منفصلة عن مشروع الحمدي لبناء الدولة وإعادة صياغة الحياة السياسية، ولا عن مشروعه الوحدوي مع الرئيس سالم ربيع علي. ثم اغتيل الحمدي في 11 أكتوبر 1977، قبل يومين من الموعد المقرر لزيارته عدن، لتتوقف حياة الرجل قبل أن يرى مشروعه السياسي والوحدوي الصورة التي كان يريدها.


وبعد خمس سنوات، عادت فكرة المؤتمر إلى الواجهة، ولكن في سياق سياسي مختلف وبصيغة جديدة، حتى انعقد المؤتمر العام الأول في أغسطس 1982، وأُقر الميثاق الوطني، وتحول المؤتمر إلى تنظيم سياسي واسع احتضن قوى وشخصيات واتجاهات سياسية واجتماعية متعددة.


فالمؤتمر لم يولد ليكون حزبًا ضيقًا، وإنما نشأ في الأصل كإطار جامع حول فكرة وطنية وميثاق جامع.


ولمن يسأل عن اهتمامي بالكتابة هذا العام عن ذكرى تأسيس المؤتمر الشعبي العام، دون غيرها من ذكريات تأسيس الأحزاب والتنظيمات السياسية اليمنية، فإن المسألة ليست تفضيلًا لتنظيم على آخر، ولا احتفاءً بحزب دون سواه؛ فلكل تنظيم تاريخه ورموزه وتجربته، ولكل ذكرى سياقها. لكن المؤتمر، بحكم امتداده التاريخي الطويل، والتصاقه ببنية الدولة ومؤسساتها، وما أصابه من انقسام انعكس على المشهد الوطني كله، يجعل الحديث عن تجربته اليوم متصلًا مباشرة بسؤال الدولة واستعادتها. ولذلك أكتب عنه لا للاحتفال بماضيه وحده، وإنما لأطرح على حاضره سؤال المسؤولية.


فالمؤتمر الذي وُلد من فكرة جمع اليمنيين حول ميثاق وطني، يحتاج اليوم إلى أن يجمع نفسه أولًا حتى يستطيع أن يسهم في جمع الدولة.


ولا يمكن النظر إلى ذلك بوصفه شأنًا تنظيميًا داخليًا فحسب؛ فالمؤتمر، بحكم امتداده الطويل، كان التنظيم السياسي الأكثر التصاقًا ببنية الدولة ومؤسساتها ومراكز القرار. ولذلك فإن ما أصابه من انقسام لم يكن انقسام حزب عادي، بل انعكس على الدولة نفسها، وعلى قدرتها على حماية مؤسساتها ومقدراتها.


وحين اندلعت ثورة 11 فبراير 2011 الشبابية، انقسم المؤتمر عموديًا وأفقيًا. كان جزء منه في صف الثورة، فيما وقف جزء آخر في مواجهة موجة التغيير، ثم ازدادت التشظيات داخله مع انتقال البلاد من مرحلة إلى أخرى.


والاختلاف حول الثورة أو السلطة أو مستقبل البلاد حق سياسي لا ينتقص من أحد. لكن المشكلة أن الانقسام داخل التنظيم الذي كان يشكل العمود الأبرز للسلطة والدولة طوال عقود، جاء في لحظة كانت فيها الدولة أحوج ما تكون إلى التماسك والمؤسسات.


ثم جاء التحالف بين جزء من قيادة المؤتمر والحوثيين، في مواجهة خصوم الأمس، ليكشف واحدة من أخطر مفارقات السياسة اليمنية:


أن الصراع على السلطة انتهى إلى إضعاف الدولة التي كان الجميع يتصارعون على حكمها.


وليس من الإنصاف القول إن المؤتمر وحده أسقط الدولة، أو أنه وحده يتحمل مسؤولية الانقلاب الحوثي؛ فالمشهد اليمني أكبر من حزب، وأكثر تعقيدًا من اختزاله في طرف واحد. لكن ليس من الإنصاف، في المقابل، أن يتعامل المؤتمر مع ما حدث وكأنه كان مجرد متفرج على التاريخ.


فحين يكون تنظيم سياسي بهذا الحجم قد شارك لعقود في صناعة القرار وإدارة مؤسسات الجمهورية، فإن مسؤوليته التاريخية لا تنتهي بمجرد خروجه من السلطة أو انقسامه إلى أجنحة.


لقد استفاد الحوثيون من الانقسام داخل المؤتمر، ومن الصراع بين مكوناته، ومن حالة التشظي السياسي التي سبقت سيطرتهم على صنعاء ومؤسسات الجمهورية، كما استفادوا من تراكمات الدولة وخبراتها ومقدراتها التي أصبحت في متناول الجماعة الانقلابية.


ثم جاءت اللحظة الفاصلة في ديسمبر 2017، عندما وقع الصدام بين حلفاء الأمس، وانتهى الأمر بمقتل علي عبدالله صالح ورفاقه.


ومنذ ذلك اليوم، لا ينبغي أن يكون السؤال للمؤتمريين: من نرثي؟ وإنما: ماذا نفعل؟


كيف نلملم صفوفنا، ونحافظ على ثوابتنا، ونتجاوز انقسامنا داخل المؤتمر، لنسهم مع غيرنا في استعادة عاصمتنا ومؤسساتنا، وندافع عن جمهوريتنا؟


ولعل ما يشهده المؤتمر اليوم من حراك داخلي بشأن استعادة دوره وتوحيد صفوفه، وما أثاره ذلك من تأييد واعتراض، ليس بعيدًا عن هذا السؤال؛ بل يكشف، في حد ذاته، حجم الحاجة إلى أن يستعيد المؤتمر وحدته ومؤسساته ودوره. فالمسألة لم تعد خلافًا على من يتحدث باسم المؤتمر أو من يقوده، بقدر ما أصبحت سؤالًا أكبر: كيف يستعيد المؤتمر ذاته، ويعود قوة وطنية فاعلة في معركة استعادة الدولة والجمهورية؟


وتأتي هذه الذكرى في لحظة مختلفة أيضًا؛ فهناك حراك جاد وإرادة سياسية لاستعادة الدولة على الأرض، وحضور مؤتمري في مواقع قيادية بالدولة، وفي مقدمتها رئاسة مجلس القيادة الرئاسي، ورئاسة مجلس النواب، ورئاسة مجلس الشورى، إلى جانب قيادات عسكرية ومدنية ووزراء وشخصيات وطنية. كما تقف تشكيلات عسكرية وطنية في مقدمة معركة استعادة الدولة، وفي مقدمتها حراس الجمهورية بقيادة الفريق طارق صالح، عضو مجلس القيادة الرئاسي.


وهذه ليست مجرد مفارقة في الأسماء والمواقع، بل فرصة تاريخية أمام المؤتمر: أن يلتقي حضوره في مؤسسات الدولة بحضوره في الميدان، وأن يجعل من ذكرى تأسيسه محطة للانتصار لإرادة اليمنيين، لا مناسبة أخرى لتجديد الانقسام.


فإذا كانت الدولة تتحرك، والجمهورية تبحث عن استعادة عافيتها، والشعب ينتظر الخلاص من الانقلاب، فإن ما ينتظره من المؤتمر ليس المزيد من الانقسام، وإنما أن ينتصر المؤتمر في هذه اللحظة لتاريخه وميثاقه ودوره الوطني، وأن يستجيب لتطلعات اليمنيين، وأن يجعل من وحدته رافعة لمعركة استعادة الدولة والجمهورية.


فهذه الذكرى لا تحتاج إلى استعادة الماضي بوصفه مجدًا مكتملًا، ولا إلى استمرار معارك الأجنحة، ولا إلى تبادل الاتهامات؛ وإنما تحتاج إلى مراجعة سياسية وتنظيمية شجاعة، تعيد الاعتبار للميثاق الوطني، وتعيد بناء المؤسسة، وتضع الجمهورية والدولة فوق الأشخاص والحسابات. وما ندعو إليه المؤتمر الشعبي العام في هذه الذكرى، ندعو إليه كذلك سائر الأحزاب والتنظيمات السياسية اليمنية؛ فالمراجعة اليوم ليست مسؤولية حزب بعينه، وإنما مسؤولية وطنية تفرضها حالة اليمن، وما أصاب الحياة الحزبية والسياسية من تراجع وجمود، والحاجة إلى أن تستعيد الأحزاب حيويتها ونشاطها ودورها في المجتمع، بما يسهم في استعادة الدولة والجمهورية.


وإذا كان المؤتمر قد نشأ أصلًا كإطار جامع، ثم تحول إلى تنظيم احتضن قوى واتجاهات سياسية واجتماعية متعددة، فإن استعادة دوره اليوم لا تعني إعادة إنتاج الماضي، ولا استعادة الهيمنة؛ وإنما تعني استعادة وظيفته الوطنية.


المؤتمر لا يحتاج اليوم إلى أن يستعيد الماضي؛ يحتاج إلى أن يستعيد دوره.


والدور الذي يليق به ليس أن يكون طرفًا جديدًا في صراع الشرعيات، ولا أن يتحول إلى ذاكرة سياسية تتنازعها الأجنحة، وإنما أن يعود إلى جوهر الفكرة التي ولد منها: تنظيمًا وطنيًا جمهوريًا جامعًا، يضع الدولة فوق الحزب، والجمهورية فوق الأشخاص، واليمن فوق الحسابات.


ولهذا، فإن أصدق ما يمكن أن يُقال للمؤتمر في ذكرى تأسيسه:


راجعوا أنفسكم قبل أن يراجعكم التاريخ.


راجعوا سنوات الانقسام، وراجعوا ما جرى للدولة، وراجعوا علاقة التنظيم بالسلطة، وراجعوا ما الذي بقي من الميثاق الوطني في الممارسة، لا في الوثائق.


فالمراجعة ليست جلدًا للماضي، ولا تنكرًا لتضحيات المؤتمريين، وإنما هي شرط لاستعادة الدور.


وفي هذه الذكرى، التحية لكل مؤتمري ظل متمسكًا بالدولة والجمهورية، والرحمة لمن رحلوا من قياداته وكوادره وشهداء الجمهورية، وكل من دفع حياته ثمنًا لموقفه الوطني.


أما التهنئة الحقيقية للمؤتمر، فلا تكون بكثرة البرقيات ولا بالاحتفالات، وإنما بأن يستعيد وحدته، ويستعيد الميثاق روحه، ويترجم وصايا شهيده، الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح، إلى موقف وفعل؛ فينتصر للحرية والجمهورية، ويرفض الخضوع للحوثي وتعسفه، ويتمسك بمؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والمدنية، ويحمي الوحدة والاستقرار ومقدرات البلاد، وينبذ الفرقة، ويتمسك بأن السلطة ملك الشعب وليست حكرًا على جماعة أو فئة.


فالوصايا لا تصبح وفاءً بالكلمات، وإنما بالفعل.


وإذا كان المؤتمر قد ولد من فكرة جامعة، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث له اليوم أن يتحول انقسامه إلى قدر دائم؛ فالانقسام الذي كان بالأمس جرحًا في جسد المؤتمر، قد يصبح اليوم مانعًا لدوره، ومانعًا لاستعادة الدولة، ومانعًا لاستعادة صنعاء.


وهنا تكتمل دلالة العنوان: من الميثاق الجامع إلى الانقسام المانع.


فإما أن ينتصر المؤتمر اليوم لفكرته وميثاقه ودوره الوطني، فيكون جزءًا من انتصار الدولة والجمهورية؛ وإما أن يبقى أسير أجنحته وحساباته، فيتحول ما كان خلافًا داخل تنظيم إلى عامل تأخير في معركة وطن بأكمله.


فذلك وحده ما يجعل من أربعة وأربعين عامًا على تأسيس المؤتمر، وتسعة وأربعين عامًا على ولادة فكرته، تاريخًا حيًا لا مجرد ذكرى.