طائرات الأمم المتحدة إلى صنعاء… أين تنتهي الإنسانية وتبدأ الأسئلة؟

الأحد - 23 أغسطس 2026 - 08:05 م


د.علي العسلي
بقلم: د.علي العسلي
ارشيف الكاتب

ليس السؤال اليوم: لماذا تطير طائرات الأمم المتحدة إلى صنعاء؟ وإنما السؤال الذي يسبق ذلك: هل كل الطائرات التي تهبط في مطار صنعاء هذه الأيام هي فعلاً طائرات أممية ذات مهمة إنسانية؟ فقد دفعتني حركة الطيران التي جرى رصدها وتوثيقها خلال الأسابيع الأخيرة إلى إعادة فتح هذا الملف، لا بقصد التشكيك في العمل الإنساني، وإنما لمعرفة ما الذي يجري في مطار يقع تحت سيطرة مليشيا الحوثي، وفي عاصمة ما تزال الدولة اليمنية غائبة عنها، وتتقاطع فيها الاعتبارات الإنسانية والسياسية والأمنية والعسكرية.


إن خدمة النقل الجوي الإنساني التابعة للأمم المتحدة UNHAS، أي خدمة الأمم المتحدة للنقل الجوي الإنساني، يفترض أن تؤدي وظيفة إنسانية معروفة في اليمن، من خلال نقل العاملين في المجال الإنساني، وتسهيل وصولهم إلى المناطق المحتاجة، والمساعدة في الحالات الطبية والإجلاءات عند الحاجة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: أين هذه الوظيفة على أرض الواقع، وما حجمها، ومن المستفيد منها؟ فلم نعد نسمع، كما كنا نسمع في سنوات سابقة، عن رحلات مخصصة لإجلاء المرضى، أو عن نقل واسع للحالات الطبية، أو عن وصول الأدوية واللقاحات والمستلزمات الطبية إلى المحتاجين في مناطق سيطرة الحوثيين، بينما لا يزال عدد من موظفي الأمم المتحدة والعاملين في المجال الإنساني محتجزين في سجون الحوثيين منذ سنوات، ولم تستطع الأمم المتحدة ولا مجلس الأمن الدولي تأمين الإفراج عنهم.


بل إن الأمر وصل إلى القطاع الصحي نفسه؛ فالدكتور علي المضواحي، المسؤول عن برنامج التحصين، لا يزال معتقلاً منذ نحو 800 يوم، وقد أُحيل ملفه قبل أيام إلى المحكمة الجزائية المتخصصة التابعة للحوثيين، في قضية وُجّهت إليه فيها اتهامات تتناقض تماماً مع طبيعة عمله الطبي والإنساني والإداري. وهذه واقعة قائمة الآن أمام محكمة تابعة لسلطة الأمر الواقع الحوثية، وليست مجرد رواية عابرة في وسائل الإعلام. وإذا كان المسؤول عن التحصين يُعتقل لأكثر من عامين، ثم يُحال إلى محكمة استثنائية بهذه الاتهامات، فكيف يمكن أن نفهم طبيعة البيئة التي يُفترض أن تؤدي فيها المنظومة الإنسانية الدولية وظائفها؟


لكن ما دفعني إلى إعادة طرح السؤال ليس ذلك وحده، وإنما حركة الطيران التي جرى رصدها في مطار صنعاء خلال الأيام والأسابيع الأخيرة. فبحسب المتابعة المنشورة من الباحث في حركة الطيران الدكتور عبدالقادر الخراز، شهد المطار خلال أيام متقاربة من أغسطس رحلات متتابعة، بينها طائرات متوسطة وكبيرة وصغيرة، كما رُصدت طائرة شحن كبيرة في 18 أغسطس، وأخرى كبيرة في 20 أغسطس. وفي أحد الأيام، وفق الرصد المنشور، سُجلت خمس طائرات خلال ساعات متقاربة، بأحجام مختلفة، فيما بقيت إحداها في المطار فترة من الوقت. هذه وقائع رصد منشورة لا أتعامل معها باعتبارها دليلاً على طبيعة ما تحمله الطائرات أو هوية من كان على متنها، وإنما باعتبارها سبباً كافياً لطرح الأسئلة.


ويكتسب الأمر وزناً أكبر إذا تذكرنا أن مطار صنعاء لم يشهد، بحسب المتابعة نفسها، حركة جوية خلال الفترة التي أعقبت أزمة الطائرة الإيرانية في يوليو، قبل أن تعود الحركة تدريجياً في أغسطس. وبعد عودة الحركة، لم يكن المشهد مجرد رحلة عابرة بين حين وآخر، بل رُصدت رحلات متكررة خلال أيام متقاربة، بينها طائرات كبيرة وطائرات شحن، بل إن الرصد المنشور سجل في أحد الأيام خمس طائرات خلال ساعات متقاربة.


وهنا لا يصح أن نقفز إلى استنتاجات حول ما تحمله هذه الطائرات أو من كان على متنها، لكن يصح تماماً أن نسأل: ما طبيعة هذه الحركة؟ ومن أين تأتي هذه الطائرات؟ ومن الجهة التي سمحت لها بالهبوط؟ ومن يملك المعلومات الكاملة عن ركابها وحمولاتها؟


ثم هناك سؤال آخر لا يقل أهمية: لماذا يغيب الوضوح والشفافية عن هذه الحركة الجوية، بينما لا يكاد يصدر عن الرئاسة أو الحكومة قرار أو تحرك، مهما كان صغيراً، إلا وتتسرب تفاصيله سريعاً إلى الإعلام، فتملأها التعليقات ضجيجاً بين مؤيد ومعترض؟ فلماذا تصبح حركة الطائرات في مطار صنعاء تحديداً محاطة بهذا الصمت؟


إننا لا نطالب بإعلان ما يمس الأمن أو يكشف خصوصية الركاب، ولا نطالب بكشف معلومات قد تضر بسلامة أي عملية إنسانية، وإنما نطالب بالحد الأدنى من المعلومات التي تطمئن اليمنيين إلى أن ما يدخل أجواءهم ومطاراتهم معروف للجهات الرسمية، وأن ما يجري في مطار صنعاء ليس خارج نطاق المعرفة والمتابعة. فالشفافية لا تعني كشف الأسرار، وإنما تعني أن تكون هناك إجابة رسمية واضحة عندما يتعلق الأمر بحركة طيران في مطار يقع تحت سيطرة جماعة مسلحة وفي بلد يعيش حرباً مفتوحة.


ويصبح هذا السؤال أكثر إلحاحاً بعد ما جرى مع الطائرة الإيرانية. فقد تحولت مسألة وصول الطيران الإيراني إلى المطارات اليمنية إلى قضية سيادة وأمن قومي، خصوصاً بعد الطائرة الإيرانية التي كانت متجهة إلى صنعاء ثم هبطت في مطار الحديدة عقب استهداف مدرج مطار صنعاء ومنعها من الهبوط فيه. وبعد ذلك جاء التعهد الرئاسي واضحاً، حين أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد محمد العليمي أن «لن تهبط أي طائرة إيرانية في الأراضي اليمنية بعد اليوم».


وإذا كان هذا هو الموقف السيادي للدولة، فإن السؤال الطبيعي الذي يفرض نفسه اليوم هو: ما الطائرات التي تهبط في صنعاء؟ وهل تستطيع الدولة أن تقول لليمنيين بوضوح من أين جاءت، ومن سمح لها، وماذا تحمل، وما الذي تعرفه الجهات الرسمية عنها؟


وهنا تتقاطع قضية الطائرات الأممية مع قضية حركة الطيران الأخرى في مطار صنعاء، من دون أن يعني ذلك مساواة بينهما أو اتهاماً للطائرات الإنسانية. فالطائرة الأممية التي تحمل موظفين أو مرضى أو مساعدات إنسانية شيء، والطائرة التي تصل إلى مطار تسيطر عليه جماعة مسلحة في ظل ظروف عسكرية وأمنية معقدة شيء آخر. لكن كليهما يتحرك في المجال الجوي نفسه ويستخدم المطار نفسه؛ ولذلك تصبح معرفة طبيعة الرحلات والجهات التي تنظمها والجهات التي تصرح لها ضرورة لا ترفاً.


قد يقول قائل: إن الحكومة اليمنية والتحالف لا يملكان السيطرة الميدانية المباشرة على مطار صنعاء، فكيف يمكن مطالبتهما برقابة كاملة على ما يجري داخله؟ وهذا سؤال مشروع أيضاً. فالحكومة تواجه بالفعل قيوداً ميدانية وفنية وإجرائية، فضلاً عن حساسية التعامل مع الرحلات الإنسانية والجهات الدولية، كما أن التفتيش المباشر للركاب والحمولات داخل مطار يخضع لسلطة الحوثيين ليس أمراً متاحاً للدولة ببساطة.


لكن هذه الصعوبات لا تلغي مسؤولية الدولة في المعرفة والمتابعة والمطالبة بالإفصاح. وإذا تعذر التفتيش المباشر، فذلك لا يعني تعذر السؤال، ولا يعني أن تصبح حركة الطيران في مطار صنعاء منطقة معتمة بالكامل. بل إن وجود هذه الصعوبات يجعل الحاجة إلى آليات رقابة غير مباشرة، وتبادل المعلومات، والتنسيق الدولي، والإفصاح الرسمي، أكثر أهمية.


والأهم من ذلك أن الرصد المنشور يثير أسئلة لا تستطيع عبارة «رحلات إنسانية» وحدها أن تجيب عنها. فإذا كانت هناك طائرات شحن كبيرة تهبط في المطار، فمن حق الناس أن يعرفوا طبيعة هذه الرحلات. وإذا كانت هناك طائرات تحمل وفوداً أو مسؤولين، فمن حق الدولة أن تعرف من يصل إلى صنعاء ومن يغادرها وما طبيعة مهمته. وإذا كانت الرحلات مرتبطة بجهات دولية أو إقليمية، فمن حق الرأي العام أن يعرف، بالقدر الذي لا يضر بالأمن، الجهة التي نسقت لها والأساس الذي استندت إليه.


وهنا لا بد من العودة إلى UNHAS نفسها. فإذا كانت الأمم المتحدة تقول إن هذه الرحلات ذات طبيعة إنسانية، فإن أبسط ما يمكن طلبه هو تقديم صورة واضحة عن عملها: عدد الرحلات، طبيعتها، الفئات التي تنقلها، والجهات المستفيدة منها، وآليات التدقيق المتبعة في الركاب والأمتعة والحمولات. ليس المطلوب كشف خصوصية المرضى أو العاملين، وليس المطلوب تحويل الرحلات الإنسانية إلى عمليات أمنية، وإنما المطلوب شفافية كافية تحمي الاستثناء الإنساني من الاستغلال.


وتزداد الحاجة إلى ذلك عندما نعرف أن سلطة الأمر الواقع الحوثية استطاعت في فترات سابقة تعطيل الرحلات الأممية أو التأثير في استئنافها. فإذا كان طرف غير معترف به دولياً يملك عملياً القدرة على التأثير في حركة طائرة أممية، فإن السؤال يصبح أوسع من مجرد الطائرة: من يملك القرار الفعلي في مطار صنعاء؟ وهل تستطيع الأمم المتحدة أن تضمن استقلال ترتيباتها الجوية عن سلطة الجماعة التي تسيطر على المطار؟


لقد سبق أن استخدمت الطائرات الأممية في ترتيبات إنسانية وسياسية معقدة، ومنها نقل جرحى حوثيين إلى مسقط في إطار ترتيبات عام 2018. وهذا لا يثبت أن الرحلات الحالية تُستخدم لأغراض عسكرية، ولا يجوز تحويل واقعة سابقة إلى اتهام للحاضر، لكنه يوضح أن الطيران الإنساني في اليمن سبق أن ارتبط بترتيبات تتجاوز مجرد نقل المساعدات؛ ولذلك تصبح الشفافية في الرحلات الحالية أكثر أهمية، لا أقل.


ومن هنا، فإن السؤال الذي نطرحه ليس: لماذا تساعد الأمم المتحدة اليمنيين؟ ولا: لماذا تهبط طائراتها في صنعاء؟ بل السؤال: كيف نعرف أن الرحلة التي تحمل الصفة الإنسانية تؤدي فعلاً مهمة إنسانية؟ وكيف نضمن ألا تستغل سلطة الأمر الواقع الثقة الدولية بالمنظمات الإنسانية لتمرير أشخاص أو أشياء أو ترتيبات لا علاقة لها بالعمل الإنساني؟


إنني لا أطالب بإغلاق مطار صنعاء أمام العمل الإنساني، ولا بمنع طائرات الأمم المتحدة من أداء مهمتها، ولا أريد أن يدفع المريض اليمني ثمن الصراع السياسي والعسكري. بل أطالب بأن يفتح المطار أمام حركة المواطنين جميعاً: المريض إلى علاجه، والطالب إلى جامعته، والتاجر إلى عمله، والسائح إلى وجهته، والعامل إلى مهمته، والعائد إلى وطنه، وأن تبقى الرحلات الإنسانية جزءاً من هذا الانفتاح لا بديلاً عنه. لكن حماية هذه الوظيفة تتطلب قواعد واضحة تفصل بين العمل الإنساني وأي نشاط آخر، وتجعل الرحلات قابلة للمراجعة والتدقيق من دون المساس بخصوصية من تنقلهم.


وفي المقابل، فإن الدولة اليمنية، التي أعلنت أن لا طائرة إيرانية ستهبط في الأراضي اليمنية بعد اليوم، مطالبة بأن تشرح للرأي العام أيضاً ما الذي يجري في مطار صنعاء. فإذا كانت المعلومات واضحة لدى الجهات الرسمية، فإن إعلان الحد الأدنى منها سيغلق أبواب التكهنات والشائعات، ويؤكد أن الدولة تعرف ما يدخل أجواءها ومطاراتها، حتى وإن كانت بعض هذه المطارات واقعة تحت سيطرة جماعة انقلابية.


فالمسألة في النهاية ليست مسألة طائرة بعينها، ولا رغبة في التشكيك في الأمم المتحدة، وإنما تتعلق بمبدأ أكبر: السيادة لا تعني فقط القدرة على منع طائرة من الهبوط، وإنما تعني أيضاً معرفة كل طائرة تهبط، ومن أين جاءت، ومن أذن لها، ومن على متنها، وماذا تحمل.


والعمل الإنساني لا ينبغي أن يكون موضع شك، لكن الصفة الإنسانية لا ينبغي أن تتحول إلى حصانة أمام السؤال. فالحياد لا يعني غياب الشفافية، والحماية الإنسانية لا تعني غياب الرقابة، والثقة الدولية لا ينبغي أن تتحول إلى مساحة لا تُراجع.


فالخطر ليس في الطائرة، وإنما في أن تُستغل الثقة التي تحملها الطائرة.


ولهذا فإن المطلوب ليس إغلاق مطار صنعاء أمام الإنسانية، وإنما فتح ملف حركة الطيران فيه أمام الشفافية والمراجعة والتدقيق؛ حتى يبقى المريض مريضاً، والطالب طالباً، والتاجر تاجراً، والعامل الإنساني عاملاً إنسانياً، والطائرة الإنسانية إنسانية بالفعل.


فالإنسانية الحقيقية لا تخشى الرقابة… بل تحتمي بها.