لم يبقَ إلا الشحطة... وكش صنعاء

السبت - 22 أغسطس 2026 - 11:21 م


د.علي العسلي
بقلم: د.علي العسلي
ارشيف الكاتب

في مقالي السابق، «التردد القاتل... عندما تُهدر الشرعية لحظة التاريخ الفاصلة»، كان السؤال الذي تركته مفتوحًا في خاتمته: ماذا يمنع الشرعية، وهي تملك القوة وتتحرك في بيئة إقليمية ودولية أكثر ملاءمة، من الانتقال من مربع رد الفعل إلى مربع الفعل؟ ولم يكن السؤال دعوة إلى حرب جديدة، ولا إلى اندفاع غير محسوب، وإنما إلى قرار يستثمر اللحظة قبل أن تتغير معطياتها، ويضع الدولة في موقع المبادرة لا الانتظار.


اليوم، لا أريد أن أكرر السؤال، وإنما أن أذهب به خطوة أخرى: إذا كانت القوة موجودة، والفرصة قائمة، والقرار بيد القيادة، فما هي النقلة التي يمكن أن تغيّر موازين الرقعة؟


هنا تأخذ الصورة شكلًا آخر؛ صورة الشطرنج.


يقال إن الشطرنج وُلد في الهند، ثم انتقل إلى فارس، حيث طوّر الفرس قواعده ومفرداته، قبل أن يحمله العرب إلى العالم، ومنها إلى أوروبا. ولعل في هذه الرحلة التاريخية مفارقة تستحق التأمل اليوم: فإيران، التي كان أسلافها الفرس جزءًا من تاريخ تطور هذه اللعبة، تبدو وكأنها تمارس في السياسة الإقليمية منطق الشطرنج ذاته؛ لا تدخل كل معركة بجيشها، ولا تحرك كل قطعة بيدها، وإنما تبني شبكة من الأذرع والأوراق، ثم تحركها في اللحظة التي تخدم حساباتها الكبرى.


إيران لا تلعب على رقعة واحدة، ولا تبحث بالضرورة عن «كش ملك» في كل مواجهة؛ يكفيها أن يبقى خصمها في حالة «كش» دائم. تضغط هنا، وتهدد هناك، وتستخدم أذرعها الإقليمية لرفع كلفة المواجهة، ثم تفتح باب التفاوض عندما تصبح أوراق الضغط جاهزة. وفي هذه اللعبة لا تكون الغاية دائمًا انتصار الذراع التي تقاتل على الأرض، بقدر ما تكون صناعة ورقة تفاوضية تُنقل قيمتها إلى الطاولة التي تجلس عليها طهران مع واشنطن أو غيرها.


وهنا تحديدًا تأتي خطورة الحوثيين في اليمن. فالحوثي ليس مجرد طرف يمني يخاصم خصومه على السلطة؛ إنه، في القراءة الأوسع للصراع، ورقة متقدمة على رقعة إقليمية أكبر. يستطيع أن يهدد الملاحة، وأن يستنزف خصوم إيران، وأن يربك حسابات الولايات المتحدة، وأن يضغط على أمن دول المنطقة، ثم تتحول نتائج ذلك إلى أوراق تفاوض تستخدمها طهران في صراعها ومساوماتها مع القوى الكبرى. ومن هنا فإن استمرار الحوثي في السيطرة على صنعاء ليس مأساة يمنية فحسب، بل استمرار لوجود ورقة إيرانية متقدمة على واحدة من أكثر الرقع حساسية في المنطقة؛ ولذلك فإن استعادة صنعاء لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مجرد انتصار عسكري للشرعية، وإنما باعتبارها كسرًا لإحدى أهم أوراق الضغط الإيرانية في الإقليم.


وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يُوجَّه مباشرة إلى الشرعية: إلى متى يبقى اللاعب الذي يملك معظم عناصر القوة مترددًا في تحريك قطعه؟ لقد تغيرت معطيات كثيرة؛ تشكلت أطر القيادة، وتراكمت الخبرات، وتعددت الجبهات والقوى، وتوفرت للشرعية مظلة إقليمية، ولم يعد مقبولًا أن يظل الحوثي وحده من يحدد متى تبدأ المواجهة ومتى تتوقف. فذلك لم يعد إدارةً للسلام، وإنما تركٌ لخصم مسلح بحق التحكم في إيقاع الحرب والسلم. وفي الشطرنج، لا قيمة لقطعة تبقى ساكنة مهما كانت قوتها؛ فالقيمة في النقلة التي تغيّر موازين الرقعة، وفي التوقيت الذي يحوّل الإمكان إلى فعل.


ولهذا أقول: لم يبقَ إلا الشحطة. والشحطة هنا ليست اندفاعًا عسكريًا أعمى، ولا مغامرة غير محسوبة، وإنما نقلة دولة؛ قرار سياسي وعسكري متكامل يتخذه رئيس مجلس القيادة الرئاسي، القائد الأعلى للقوات المسلحة، في اللحظة التي تُوظَّف فيها الإمكانات المتاحة ضمن هدف واضح: استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب. وعندها لا تتحرك الجبهات باعتبارها جزرًا متفرقة، ولا تتقدم القوى باعتبارها مشاريع متنافسة، وإنما تتجه جميعها نحو هدف وطني واحد: صنعاء عاصمة الجمهورية، وليست غنيمة لجبهة أو مكوّن؛ واستعادتها ليست انتصار طرف على طرف، بل استرداد الدولة لقرارها وسيادتها.


فالمنطقة لا تحتاج إلى جولة جديدة من الشطرنج الإيراني، ولا إلى تسوية تعيد إنتاج أسباب الحرب وتمنح طهران ثمن أوراق الضغط التي صنعتها بأذرعها. وإذا أرادت دول المنطقة إغلاق إحدى أخطر رقع هذه اللعبة، فعليها أن تدعم الدولة اليمنية لإحداث اختراق حقيقي، لا أن تكتفي بإدارة المأزق؛ لأن استمرار الأزمة بالصيغة ذاتها لا يعني سوى منح الحوثي مزيدًا من الوقت لإنتاج أوراق ضغط جديدة، والإبقاء على صنعاء وباب المندب ضمن دائرة النفوذ التي توظفها طهران للضغط على الإقليم وتهديد مصالحه. فحين تبقى عاصمة اليمن خارج سلطة الدولة، ويظل أحد أهم الممرات البحرية في العالم تحت تهديد قوة مسلحة لا تخضع لقرار الدولة، فإن الورقة الإيرانية لا تبقى يمنية فقط، بل تتحول إلى ورقة إقليمية مفتوحة.


إيران تحرك أوراقها لتصل إلى طاولة التفاوض، والحوثي ينفذ ضغوطها على الأرض، والمنطقة تدفع كلفة اللعبة. أما الشرعية، فلا يجوز لها بعد كل ما تملك من أوراق أن تبقى واقفة أمام الرقعة تنتظر نقلة الخصم التالية. لقد حان وقت الشحطة؛ أن تتحول القطع المتناثرة إلى حركة واحدة، والقوة المتاحة إلى قرار، وأن تنتقل صنعاء من كونها ورقة ضغط في يد الآخرين إلى عاصمة تستعيدها الدولة، وتستعيد معها سيادتها على الأرض والبحر، وعلى وجه الخصوص باب المندب، بوصفه جزءًا من أمن اليمن وسيادته وأمن المنطقة واستقرارها.


فحين تعود صنعاء إلى الدولة، لا تستعيد اليمن عاصمتها فحسب؛ بل تستعيد قرارها، وتغلق واحدة من أهم أوراق الضغط التي تُبقي الإقليم تحت تهديد الشطرنج الإيراني.


وكش صنعاء.