التردد القاتل... عندما تُهدر الشرعية لحظة التاريخ الفاصلة

السبت - 22 أغسطس 2026 - 01:38 م


د.علي العسلي
بقلم: د.علي العسلي
ارشيف الكاتب

بين الخيط الأبيض والخيط الأسود، يقف اليمن اليوم أمام لحظة فاصلة لا تحتمل الانتظار طويلاً. فالمعطيات الإقليمية والدولية تتقاطع بصورة نادرة لصالح الدولة اليمنية، في الوقت الذي يواجه فيه الداعم الرئيس للانقلاب الحوثي ضغوطاً وحرباً ومواجهة واسعة تستنزف قدراته وتضع مشروعه الإقليمي تحت ضغط متزايد. وفي مثل هذه اللحظات لا تكون المشكلة في غياب الفرصة، وإنما في القدرة على إدراكها وامتلاك الشجاعة السياسية لاستثمارها قبل أن تتغير.


إيران، الداعم الرئيس لمنظومة الحوثي، تواجه اليوم حرباً عسكرية كبرى وضغوطاً وعقوبات اقتصادية وسياسية متصاعدة، فيما تبدو جماعة الحوثي، التي تمثل إحدى أوراق طهران الأخيرة في الإقليم، أكثر التصاقاً بحساباتها من أي وقت مضى. ولم يعد خافياً أن الحوثيين يتحركون ضمن حسابات تتجاوز حدود اليمن، وأن تحويل باب المندب إلى ورقة ضغط ومساومة يأتي في سياق محاولة طهران موازنة الضغط المفروض عليها، في مقابل ما يمثله مضيق هرمز من ورقة استراتيجية. ومن هنا، لا يمكن النظر إلى الحرب اليمنية بمعزل عن الصراع الإقليمي الأوسع، ولا يمكن التعامل مع الحوثي باعتباره طرفاً يمنياً مستقلاً في قرار الحرب والتصعيد؛ فالجبهة اليمنية أصبحت، في جانب أساسي منها، إحدى أوراق المواجهة الإيرانية الأوسع، وربما أكثرها قابلية للاستخدام في هذه المرحلة.


وفي المقابل، أصبحت الشرعية اليوم أكثر قدرة من أي وقت مضى على الانتقال من الدفاع إلى المبادرة، بما راكمته من قدرات عسكرية وتنسيق سياسي وأمني، وما تحظى به من دعم سعودي استراتيجي واسع، وما يتشكل حولها من تحالفات إقليمية ودولية لتأمين البر والبحر. وهذه الإمكانات لا ينبغي أن تبقى مجرد عناصر قوة على الورق، بل يجب تحويلها إلى خيارات سياسية وعسكرية عملية. ومن هنا، فإنني أدعو الشرعية، وبوضوح، إلى المبادرة والتقدم رسمياً بطلب الانضمام إلى اتفاقية مكة للدفاع المشترك، والاستفادة من الفرص التي تتيحها في مجالات التعاون والتدريب والتسليح والصناعات الدفاعية، بما يعزز قدرات الجيش الوطني ويدعم أمن اليمن وموقعه في منظومة الأمن الإقليمي. وقد رحبت الحكومة اليمنية بالاتفاقية، فلماذا لا تنتقل من الترحيب بها إلى طلب الاستفادة منها؟ إن المرحلة لا تحتمل أن تكون الشرعية متلقية للفرص؛ المطلوب أن تصبح شريكاً فاعلاً في صناعة معادلاتها.


لم يعد مقبولاً، والحال كذلك، أن تظل الشرعية في مربع انتظار ضربة الحوثي ثم الرد عليها، فيما تتوافر لها مقومات المبادرة وفرض معادلة جديدة عنوانها استعادة الدولة. فالردع وسيلة، لكنه ليس استراتيجية دائمة، وإدارة التهديد ليست بديلاً عن إنهائه. والقوة التي لا تُستخدم في اللحظة المواتية لا تبقى ثابتة؛ وقد تفقد قيمتها السياسية قبل أن تفقد قيمتها العسكرية.


وهنا تحديداً تأتي الوساطة العُمانية، التي تمثل قناة اتصال مفتوحة بين أطراف الصراع، وقد تكون خيطاً أبيض إذا قادت إلى سلام ينهي الانقلاب ويعيد القرار إلى مؤسسات الدولة، وقد تتحول إلى خيط أسود إذا انتهت إلى تثبيت مكاسب الحوثي وفرض تنازلات جديدة على اليمنيين. ونحن لا نحكم مسبقاً على نيات الوسيط، ولا نعترض على أي جهد صادق لإنهاء الحرب، لكننا نتمسك بقاعدة سياسية لا ينبغي تجاهلها: لون أي تسوية يتحدد بميزان القوة الذي تدخل به الأطراف إلى طاولة التفاوض. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن تفعله الشرعية هو أن تذهب إلى أي تفاوض وهي لا تزال في موقع رد الفعل؛ فالطاولة لا تعوض ما لم يُحسم على الأرض، وما لم تفرضه القوة لن تمنحه المفاوضات مجاناً.


ولهذا فإن السؤال ليس: هل نريد السلام أم الحرب؟ فهذا تبسيط مخلّ. السؤال الحقيقي هو: أي سلام نريد، ومن أي موقع سندخل إليه؟ فإذا اختار الحوثي السلام في أي مرحلة من مراحل تقدم الدولة على الأرض، فذلك هو الخيط الأبيض الذي ينبغي التقاطه، لأنه سيكون سلاماً فرضته حقيقة أن مشروع الانقلاب لم يعد قادراً على الصمود. أما أن تبقى الشرعية في موقع الانتظار والردع، ثم تدخل المفاوضات من دون أن تكون قد فرضت حقائق جديدة على الأرض، فإنها تمنح الحوثي أفضلية التفاوض، وتدخل الطاولة من موقع الدفاع بدلاً من موقع صاحب المبادرة والقرار. لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحوثي يجيد استثمار الوقت، وإعادة بناء قدراته، وتحويل الهدن والفرص السياسية إلى مساحات للمناورة والتمكين. ولذلك فإن التأخر هذه المرة ليس مجرد تأخر في اتخاذ قرار عسكري؛ إنه استنزاف للقيمة السياسية والعسكرية لكل ما راكمته الشرعية من قوة وتماسك وتحالفات.


وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة إلى قيادة الشرعية: لسنا أمام لحظة عادية يمكن تأجيلها إلى إشعار آخر، والمطلوب ليس حرباً بلا حساب، ولا اندفاعاً بلا أهداف، وإنما قرار بلا تردد، ومبادرة محسوبة، واستثمار كامل للفرصة قبل أن تتغير معطياتها. فإذا كانت الدولة قد امتلكت القوة، وإذا كانت البيئة الإقليمية والدولية أكثر ملاءمة، وإذا كانت التحالفات تتسع، فما الذي يمنع الانتقال من مربع رد الفعل إلى مربع الفعل؟


إن السلام لا يمكن أن يكون بديلاً عن إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة، والمفاوضات ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة للوصول إلى سلام يعيد القرار إلى مؤسسات الدولة ويحفظ لليمن سيادته ووحدته. ولا ينبغي أن تتحول الوساطات، مهما كانت نياتها، إلى سقف يقيّد حق الدولة في الدفاع عن نفسها واستعادة أراضيها ومؤسساتها. لذلك، فإن المطلوب اليوم هو التحرك قبل أن تتغير المعطيات، وقبل أن تتحول الوساطات إلى تسويات، والتسويات إلى وقائع، والوقائع إلى تنازلات يصعب التراجع عنها؛ فالتردد في لحظة القوة قد يجعل ما كان متاحاً بالأمس مطلباً عسيراً غداً.


إننا أمام فرصة قد لا تتكرر. والتاريخ لا يعاقب فقط من أخطأ في تقدير اللحظة، بل يعاقب أيضاً من امتلك الفرصة والقوة ثم تردد حتى أضاعهما. فإما أن يكون الخيط الأبيض طريقاً إلى سلام يعيد اليمن إلى دولته، وإما أن يتحول، بسبب التردد، إلى خيط أسود يلتف على مستقبل اليمنيين. والقرار الآن، قبل أن تتغير المعادلات، بيد الشرعية.