لم تعد عودة رئيس مجلس القيادة الرئاسي، القائد الأعلى للقوات المسلحة، إلى العاصمة المؤقتة عدن خبراً يستحق كل هذا اللغط أو التأويل. إنها عودة طبيعية لقائد دولة إلى عاصمته، لكن الأهم أنها عودة مطلوبة ومحبذة في لحظة تاريخية تحتدم فيها المعارك، وتتغير فيها معادلات الميدان، وتحتاج فيها الدولة إلى أن يكون قائدها الأعلى قريباً من مركز القرار، ومن القيادات الميدانية وغرف العمليات التي تدير معركة استعادة الدولة على الأرض.
إن ربط هذه العودة بالتطورات السياسية الأخيرة، أو تقديمها كرسالة تحدٍّ لأي طرف، يخرج الحدث عن سياقه الحقيقي. السياق هو الحرب، وقرار الدولة، ومقتضيات الميدان. فالقيادة حين تحتدم المعركة لا تكون بعيدة عن الميدان، والقائد الأعلى للقوات المسلحة مكانه الطبيعي في القصر الجمهوري بعد تأمينه، قريباً من القادة الميدانيين، يسمع تقاريرهم اليومية، ويناقش معهم تطورات الجبهات، ويتابع خرائط العمليات، ليكون القرار السياسي والعسكري أكثر التصاقاً بما يجري على الأرض، وأكثر قدرة على تحويل التقدم الميداني إلى فعل استراتيجي.
والمثير أن مجرد الحديث عن عودة الرئيس إلى عدن أطلق موجة من التعليقات المتشنجة والردود المسيئة، بل إن بعضها حمل نبرة تهديد لا تليق بمشهد الدولة ومسؤولياتها. وفي المقابل، جرى الترويج لحديث عن عودة عيدروس الزبيدي ونائبه إلى عدن خلال ساعات، في محاولة لإبقاء المشهد أسيراً لسردية التجاذب والاصطفاف. وهذه، في تقديري، معارك ثانوية وسردية بالية لا تخدم المناطق المحررة ولا تخدم معركة استعادة الدولة؛ بل تخدم الحوثي وحده، لأنها تشتت البوصلة وتستنزف الصف الجمهوري في صراعات جانبية، في وقت يفترض أن تتجه فيه الأنظار إلى الميدان ومعركة استعادة الدولة.
وثمة مؤشرات عسكرية متصاعدة تؤكد أن الميدان لم يعد كما كان. فقد أعلنت القوات المسلحة خلال أيام متقاربة عن تنفيذ عشرات العمليات النوعية في مختلف الجبهات، مستخدمة المدفعية والراجمات والطيران المسيّر، ومعلنة إيقاع خسائر في صفوف مليشيا الحوثي واستهداف قيادات وعناصر وقدرات عسكرية. وقبل أيام تحدثت عن تنفيذ 133 عملية خلال 24 ساعة، ثم 81 عملية خلال 24 ساعة أخرى. وهذه ليست لغة مرحلة الجمود، بل لغة مرحلة يتحرك فيها الميدان.
والأكثر أهمية أن ذلك يتزامن، بحسب المعطيات والتصريحات العسكرية المتداولة، مع دخول سلاح جديد أكثر فتكاً وتأثيراً، بدأ يرهق المليشيا ويضاعف خسائرها، ويجبرها على تغيير بعض أدواتها وتكتيكاتها في الميدان. وإذا كانت هذه المعطيات تعكس حقيقة ما يجري على الأرض، فإنها تقول بوضوح: الميدان يتغير، وميزان الردع يتحرك.
ولعل أكثر ما يكشف أثر هذا التحول تلك المشاهد المصورة المتداولة من مناطق القتال؛ مقاتلون يحاولون التخفي بوسائل شديدة الغرابة: هذا يضع على ظهره ما يشبه أغصان الأشجار ليبدو جزءاً من المكان، وذاك يندس برأسه تحت صخرة تاركاً جسده مكشوفاً، وآخر يبحث عن أي وسيلة تحجبه عن عين الطائرة المسيّرة، فيما يلجأ آخرون إلى التمويه بارتداء ملابس نسائية وبراقع. وليست الغرابة في هذه المشاهد هي المهم، وإنما ما تكشفه من ضغط وارتباك ميداني؛ فحين يصبح الشجر والصخر والزي المدني، بل وحتى التخفي خلف ملابس النساء، وسائل للنجاة من عين السماء، فهذا يعني أن قواعد الاختباء القديمة لم تعد تكفي، وأن أدوات الرصد والاستهداف بدأت تفرض على الميدان معادلة جديدة.
وفي المقابل، تبرز معركة أخرى لا تقل أهمية: حرب الصورة والرواية. فقد بدأت مليشيا الحوثي إنتاج مشاهد دعائية مضادة يقدمها ناطقها العسكري يحيى سريع على أنها عمليات نوعية ضد قوات الشرعية، التي يحاول تقديمها في خطابه باعتبارها قوات سعودية. وقد يكون ذلك مجرد تطوير لأدوات الدعاية العسكرية، لكن ظهوره بهذا الشكل يستحق التوقف عنده؛ فالمليشيا التي راهنت طويلاً على الصواريخ بعيدة المدى وما تسميه الأسلحة «الفرط صوتية»، تبدو اليوم مضطرة إلى إبراز أدوات وتكتيكات أخرى في مواجهة واقع ميداني مختلف.
ولا حاجة إلى الجزم بأن تلك المشاهد مولدة بالذكاء الاصطناعي من دون دليل تقني؛ فالسؤال الأهم هو: هل تتطابق الصورة مع الواقع الذي يمكن التحقق منه؟ فحجم النيران والانفجارات التي تظهر في بعض المقاطع، من دون قرائن موثوقة تثبت حجم الأضرار المعلنة، يجعل التمييز بين المشهد الدعائي والإنجاز العسكري الحقيقي أمراً بالغ الأهمية.
وفي هذه المعركة، لا تحتاج الدولة إلى اصطناع المشاهد؛ فالعمليات الحقيقية ونتائجها الميدانية، وما تخلّفه من خسائر في الأرواح والعتاد، وما يتوارد من مشاهد تشييع قتلى الحوثيين، أبلغ من أي مادة دعائية. ومن يراقب تحركات المليشيا العسكرية والإعلامية يلاحظ أنها باتت تتعامل مع تطورات تفرض نفسها عليها، أكثر مما تفرض هي إيقاع المواجهة؛ فهذه المرة لم تبدُ صاحبة المبادرة كاملة، بل أقرب إلى اللحاق بإيقاع الميدان.
ومن هنا، لا ينبغي أن تكون عودة الرئيس إلى عدن مجرد مناسبة للجدل البيزنطي، بل نقطة تحول نحو حضور فعلي يقود مرحلة الردع واستعادة الدولة. فالناس لا يريدون رئيساً يعود إلى العاصمة ليبرهن لأحد أنه عاد؛ يريدونه أن يعود ليقود، قريباً من غرفة العمليات، وبين القادة، وعلى اطلاع بتقارير الجبهات وخرائطها، وقريباً من القرار الذي يحوّل الإنجازات الميدانية إلى مسار عسكري وسياسي متكامل.
عودة الرئيس ليست امتيازاً لفصيل، ولا اصطفافاً ضد أحد، ولا استفزازاً لأحد؛ إنها ممارسة لحق الدولة وواجب القيادة. والاستفزاز الحقيقي ليس في عودة رئيس الدولة إلى عاصمتها، بل في محاولة مصادرة حق الدولة في الحضور والقيادة واستعادة زمام المبادرة.
وهنا تحديداً تصبح عودة القائد الأعلى إلى عدن ذات معنى أكبر: ليست عودة لإثبات الحضور، بل عودة لممارسة القيادة في لحظة يتحول فيها الميدان.
وحين تبدأ الدولة بالفعل، لن تحتاج إلى كثير من الكلام؛ فالنتائج وحدها كفيلة بإخرَاص كل الألسن المغرّدة خارج السرب.