حين يتحدث الحرس الثوري عن اليمن... من يدير الحرب؟

الخميس - 20 أغسطس 2026 - 05:39 م


د.علي العسلي
بقلم: د.علي العسلي
ارشيف الكاتب

لم يكن تصريح المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني حسين محبي، الذي حاول فيه التقليل من قدرة المملكة العربية السعودية على مواجهة ما أسميناه في مقال سابق «منظومة الحوثي–الحرس الثوري الإيراني»، مجرد تصريح عابر في سياق حرب التصريحات. فحين تتحدث مؤسسة عسكرية لدولة إقليمية عن قدرة جماعة مسلحة خارجة عن الدولة والقانون في اليمن على مواجهة دولة عربية كبرى، فإننا لا نكون أمام دعاية عابرة، بل أمام كلام يكشف شيئاً من حقيقة الدور الذي تريده طهران لليمن ولأداتها المسلحة فيه.


قال محبي إن السعودية، رغم قدراتها العسكرية، لن تستطيع كبح جماح الحوثيين، مستنداً إلى مقارنة بين ما يجري في غزة وما يجري في اليمن. لكن المقارنة لا تستقيم؛ فلكل حرب سياقها وأطرافها وأهدافها وقواعد اشتباكها. أما اليمن، فقضيته مختلفة جذرياً: جماعة مسلحة انقلبت على الدولة ومؤسساتها، واستولت على قرارها بقوة السلاح، ثم تحولت إلى جزء من مشروع إقليمي يتجاوز حدود اليمن.


لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الحوثي قوياً أو ضعيفاً.


السؤال: لماذا يتحدث الحرس الثوري الإيراني عن اليمن بهذه الثقة؟ ومن الذي جعل من اليمن ساحة لاختبار قدرة المملكة؟


هنا تحديداً نستعيد ما طرحناه في مقال سابق بعنوان «رواية فوق الروايات»؛ حين دعونا إلى تجاوز الرواية التي تكتفي بتحديد مطلق الصاروخ، إلى البحث عمن يمتلك القدرة، ومن يوفر التقنية والخبرة، ومن يحدد الأهداف، ومن يقف خلف التطور النوعي في الصواريخ والطائرات المسيّرة.


وفي ذلك المقال، وبالاستناد أيضاً إلى ما أثاره الصحفي فتحي بن لزرق، قدمنا توصيف «منظومة الحوثي–الحرس الثوري الإيراني» باعتباره توصيفاً يتجاوز الواجهة إلى مصدر القدرة.


واليوم يأتي تصريح محبي ليمنح هذا التوصيف، من حيث لا يريد، قرينة سياسية جديدة.


فهو لا يتحدث عن الحوثي باعتباره شأناً يمنياً مستقلاً، بل يتحدث عن قدرته على مواجهة المملكة، ويضع هذه القدرة في سياق استراتيجي إيراني واضح. وكأن اليمن، في الحساب الإيراني، ليس دولة ذات سيادة وقرار مستقل، وإنما ساحة يمكن عبرها اختبار أمن المملكة وموازين القوة في المنطقة.


وهنا تنكشف المفارقة:


لقد أراد محبي أن يثبت أن الحوثي قادر على مواجهة السعودية، لكنه قدّم، من حيث لا يريد، دليلاً آخر على أن الحوثي ليس وحده في هذه الحرب.


فحين يتحدث الحرس الثوري عن قدرة الحوثي، يصبح السؤال: من يطلق النار؟ ومن يقف خلف البندقية؟


ومن هنا، فإن تصوير المعركة باعتبارها حرباً بين السعودية واليمن هو قلب للحقيقة. فالمملكة لا تخوض حرباً ضد الشعب اليمني، ولا تستهدف اليمن بوصفه دولة وشعباً؛ وإنما تدعم الشرعية في مواجهة جماعة مسلحة صادرت قرار الدولة، وتدافع في الوقت نفسه عن أمنها الوطني في مواجهة منظومة تفصح طهران نفسها عن موقعها في حساباتها.


ثم إن من يتحدث عن المملكة وكأنها تقف منفردة في هذا الميدان، يتجاهل أن المشهد الاستراتيجي حولها تغيّر بصورة لافتة.


ففي سبتمبر 2025 وقعت المملكة اتفاق الدفاع الاستراتيجي المتبادل مع باكستان، الدولة النووية، بما يجعل أي عدوان على إحدى الدولتين عدواناً عليهما معاً. وقد فتح الاتفاق، منذ توقيعه، نقاشاً واسعاً حول أبعاده الردعية، وإن لم يتضمن نصه المعلن بنداً صريحاً بشأن نقل أو مشاركة الأسلحة النووية.


ثم جاءت اتفاقية مكة للدفاع المشترك في أغسطس 2026، التي جمعت السعودية وتركيا وباكستان في إطار دفاعي ثلاثي، يقوم أيضاً على مبدأ أن الاعتداء المسلح على إحدى الدول الثلاث يُعامل باعتباره اعتداءً عليها جميعاً.


ولم يتوقف الأمر عند ذلك؛ فقد قادت المملكة تحركاً لإنشاء إطار دفاعي بحري متعدد الجنسيات لحماية الممرات والمصالح الملاحية، وشارك ممثلو 43 دولة والاتحاد الأوروبي في الاجتماع التأسيسي لهذا التحرك.


هذه ليست أرقاماً للاستعراض، ولا دعوة إلى الحرب، وإنما مؤشرات على أن أمن المملكة لم يعد قضية ثنائية بين دولة وجماعة مسلحة تقف خلفها قوة إقليمية، وإنما أصبح جزءاً من معادلة أوسع للأمن الإقليمي والدولي، تتصل بحماية الملاحة والممرات المائية والمصالح الاستراتيجية.


فأي سعودية يتحدث عنها محبي؟


إنه يقيس جماعة مسلحة بمنظومة دولة، ويتجاهل أن المملكة لا تمتلك القوة العسكرية وحدها، بل تمتلك أيضاً شبكة متنامية من الشراكات الاستراتيجية التي تجعل محاولة اختبار أمنها أكثر تعقيداً وكلفة.


ومع ذلك، فإن قوة المملكة لا ينبغي أن تكون بديلاً عن قوة الشرعية اليمنية، كما أن تحالفات المملكة لا تعفي اليمنيين من مسؤوليتهم؛ فالعلاقة بين المملكة والشرعية ليست علاقة حماية من طرف واعتماد من طرف آخر، وإنما شراكة استراتيجية أوسع، أمنياً وسياسياً واقتصادياً، تتكامل فيها أدوار الأشقاء مع مسؤولية أصحاب الأرض في استعادة دولتهم.


فعلى الشرعية أن تكون بمستوى هذه اللحظة: قرار موحد، قيادة موحدة، جبهات متكاملة، ودولة تعرف كيف تستثمر سند الأشقاء لا كيف تعتمد عليه.


وكما قلنا ونؤكد: المخا ليست قضية طارق، ومأرب ليست قضية مكون، وتعز ليست قضية حزب، والضالع ليست قضية طرف؛ كلها جبهات في معركة دولة واحدة، وجمهورية واحدة، وقرار وطني واحد.


وعلى المستوى الإقليمي والدولي، ينبغي أن يتحول الدور الإيراني في اليمن من مجرد ملف يُذكر في البيانات إلى قضية سياسية وأمنية واضحة: دولة إقليمية تدعم جماعة مسلحة، وتمكّنها من امتلاك أدوات تهديد تتجاوز حدود اليمن، ثم يتحدث مسؤولوها عن قدرة هذه الجماعة على مواجهة دولة عربية كبرى.


أما المملكة، فلا تحتاج إلى إثبات قوتها في سجال مع متحدث في الحرس الثوري؛ فقوتها ليست موضوعاً للمزايدة الإعلامية. لكن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى طهران واضحة: اليمن لن يكون منصة مفتوحة لتهديد أمن المملكة، والقرار اليمني لن يبقى رهينة لجماعة مسلحة، واستخدام الحوثي ذراعاً للضغط والابتزاز لن يصنع لإيران نفوذاً دائماً.


لقد كشف تصريح محبي أكثر مما أراد أن يقول؛ كشف أن الحديث عن الحوثي لا ينفصل عن الحساب الإيراني، وأن ما يجري في اليمن ليس مجرد نزاع داخلي، وأن خلف الواجهة الحوثية مشروعاً إقليمياً يستثمر في الانقسام ويستفيد من إطالة أمد الحرب.


ولذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست بين السعودية والحوثي، ولا بين اليمن والمملكة.


إنها معركة بين الدولة والسلاح المنفلت، وبين القرار الوطني والوصاية الخارجية، وبين يمن يستعيد دولته وسيادته، ومشروع يريد إبقاءه منصة مفتوحة للنفوذ والتهديد.


ومن هنا، فإن المطلوب ليس مجرد قرار رد، بل قرار تحرير؛ قرار يعيد السلاح إلى الدولة، والقرار إلى مؤسسات الجمهورية، واليمن إلى موقعه الطبيعي دولةً عربيةً ذات سيادة، ويغلق الطريق أمام من يريد تحويل أرضه وبحاره إلى ورقة في مشروعه الإقليمي.


فحين تتحدث طهران عن قوة الحوثي، لا ينبغي أن ننشغل بالسؤال عن حجم القوة وحده؛ بل علينا أن نسأل: من منحها؟ ومن يديرها؟ ولأي معركة تُستخدم؟


وهنا تبدأ «الرواية فوق الروايات»... وهناك أيضاً يبدأ الطريق إلى الحسم.