في زمن صارت فيه الكلمات أسلحة، والأقلام أجنحةً في جيوش المتحاربين، يظل السؤال الأكثر إيلامًا وإدهاشًا: متى يكون الصحفي حقيقيًا؟
أيكون حين يصفق له حلفاؤه ويهتف له أنصاره؟ أم حين يقرأه الخصوم والأعداء على حدٍ سواء، فيغضبون منه جميعًا، ولكنهم لا يستطيعون تجاهله؟
الحقيقة الأكثر صدمة في عالمنا اليوم، أن غضب الجميع قد يكون أرفع وسام في جبين الصحفي.
فحين ينزعج منك "الشرعية" و"الانتقالي" و"الإخوان" و"الحوثي"، وتضيق بك ذرعًا "السعودية" و"الإمارات"، بينما تتسابق فضائيات العالم على اقتفاء أثر حبرك... فتلك ليست فضيحة، بل هي شهادة ميلاد لاستقلالك.
لأن القلم الذي لا ينحني لأحد، هو الوحيد القادر على أن يكون مرآة للجميع. والمرآة، مهما صقلتها، لن ترضي من ينظر فيها؛ لأنها لا تكذب، بل تعكس العيوب كما هي.
إن الفارق شاسع بين "التابع" و"المستقل":
الأول ينام على وسادة رضا طرف، ويستيقظ على كراهية الآخر. أما الثاني، فمعياره الوحيد هو "الموقف" لا "الأشخاص". ينتقد اليوم من دافع عنهم بالأمس، ويدافع غدًا عن من ناوأوه اليوم، ليس تذبذبًا، بل لأن الحقيقة متغيرة الزوايا، ثابتة الجوهر.
نعم، للاستقلالية ثمن باهظ. قد تخسر الرعاة، وقد تعتاد الوحدة في لحظات الصخب، وقد يشعر القلم بالبرد حين لا يجد يدًا تمتد إليه بالمكافآت. ولكن ثمن التابعية أغلى: إنها فقدان الضمير، وتحويل الحبر إلى مجرد حبر على ورق بلا روح.
لذا، لا تقاس قيمة الصحفي بعدد "اللايكات" أو هتافات الموالين.
بل تقاس بقدرته على الوقوف في منطقة الخطر، وحيدًا، شاهقًا، يقول كلمة حق لا يريدها أحد، لأنه يعرف أن القارئ الذكي، ذلك المتلقي الصامت، يبحث عن صوت لا يباع، ولا يشترى.
خلاصة الجمال في هذا المقال:
أن توقن بأن القلم الحر حين يغضب منه الجميع، لا يكون قد أخطأ الطريق، بل يكون قد وصل إلى جوهر الرسالة الصحفية؛ حيث الكرامة قبل الشهرة، والحقيقة قبل الرضا، والضمير قبل أي انتماء.
فلا تبحث عن أن يرضى عنك الكل، بل ابحث عن أن تكون صادقًا مع قلمك.
فحين يغضب الجميع، فهذا يعني أنك كتبت للتاريخ، لا لأحدهم.
الصحفي صالح حقروص
2026/8/20م