يا «فيروز» بلاش مغالطة... الشرعية تملك الجغرافيا والمبادرة والتحرير

الأربعاء - 19 أغسطس 2026 - 05:57 م


د.علي العسلي
بقلم: د.علي العسلي
ارشيف الكاتب

كنتُ من المعجبين بقلم فيروز الوالي حين كان يكتب من مسافة واحدة من الجميع، لكن من حق الكاتبة أن تختار موقفها، ومن حق القارئ أيضًا أن يسائل الوقائع التي تبني عليها موقفها. ومشكلتي مع مقالها الأخير الذي نشرته قبل يومين، والموسوم: «تتار اليمن… حين تكون الأرض أقوى من الفنادق!»، ليست أنها انتقدت الشرعية أو انحازت إلى الحوثي؛ فهذا موقف سياسي قابل للنقاش. المشكلة أنها قدمت مجموعة من المغالطات في صورة «حقيقة سياسية»، واختزلت اليمن كله في معادلة ساخرة: الحوثي معه الجغرافيا، والشرعية معها الفنادق!


جميلة العبارة، لكنها ليست دقيقة.


فالسياسة ليست مسابقة في صياغة الجمل الأكثر إثارة، والجغرافيا ليست عقارًا يصبح ملكًا لمن يسيطر عليه بالسلاح. نعم، الحوثي يسيطر على صنعاء وعلى مناطق من شمال وغرب اليمن، وهذه حقيقة لا ينكرها أحد، لكنه لا يسيطر على «الجغرافيا اليمنية» كما توحي العبارة. فحتى على معيار الأرض وحده، تمتد المناطق الخاضعة للحكومة والقوى المناهضة للحوثي على مساحة جغرافية أوسع بكثير، تشمل معظم الجنوب والشرق، من المهرة وحضرموت وشبوة وأبين ولحج والضالع وعدن وسقطرى، إضافة إلى أجزاء واسعة من مأرب والجوف وتعز والبيضاء وغيرها. وبحسب خرائط السيطرة الميدانية المتداولة، فإن مساحة سيطرة الحوثيين تقارب ثلث مساحة البلاد أو أقل، بينما تمتد مناطق سيطرة الحكومة والقوى المناهضة له على معظم ما تبقى من الجغرافيا اليمنية. فكيف يستقيم، بعد ذلك، اختزال المعادلة في أن «الحوثي معه الجغرافيا، وهم معهم الفنادق»؟


لكن حتى هذه الأرقام ليست هي جوهر المسألة؛ لأن السيطرة بالقوة ليست امتلاكاً للأرض، وسلطة الأمر الواقع ليست دولة. صنعاء التي دخلها الحوثي بالقوة لم تصبح ملكاً خاصاً، كما أن تعز ومأرب والساحل وعدن والضالع وأبين ولحج وشبوة وحضرموت والمهرة وسقطرى ومناطق واسعة من الجوف وصعدة وحجة والحديدة، لا تخرج من اليمن لأنها لا تقع تحت سلطته. فالجغرافيا الوطنية ليست راية تُغرس فوق مدينة فتتحول إلى ملكية حصرية، -فالسلاح قد يكون صك ملكية مؤقتة للأرض، لكنه أبدًا ليس صك ملكية للوطن.- من يسيطر على الميدان بالقوة يملك نفوذاً طارئاً، لكنه لا يملك شرعية، ولا يملك اليمن.


وهنا تبدأ المغالطة الأولى: تحويل الأمر الواقع إلى حق، والسيطرة إلى شرعية، والسلاح إلى قرار وطني. فلو كانت السيطرة المسلحة تعني الملكية السياسية، لكان انقلاب الحوثي قد تحول إلى دولة منذ يومه الأول، ولاعترف به العالم بوصفه صاحب السيادة؛ لكن ذلك لم يحدث، ولن يحدث لمجرد أن جماعة مسلحة أحكمت قبضتها على عاصمة الدولة.


أما اختزال الشرعية في «سكان الفنادق»، فهو اختزال آخر لا يقل سطحية. فالشرعية ليست مجموعة أشخاص يقيمون في فندق، وإنما سلطات ومؤسسات دولة، وقوات تقاتل على الأرض، ومحافظات ومناطق لم تسقط في قبضة الحوثي، وأخرى استُعيدت منه بعد أن تمدد إليها وبالقوة، فضلًا عن الاعتراف الدولي والحق القانوني والسياسي في استعادة الدولة. نعم، للشرعية أخطاؤها، وعليها أن تتحمل مسؤولية ضعف الأداء وتأخر المبادرة، بل وأن تُحاسب على ذلك سياسيًا، لكن نقد هذا القصور شيء، وتصوير الشرعية وكأنها لا تملك سوى الفنادق والبيانات شيء آخر. فالفندق قد يكون مقرًا مؤقتًا لمسؤول، لكنه لا يصبح مقرًا للشرعية، كما أن الميدان لا يصبح ملكًا لمليشيا لمجرد أنها فرضت عليه سلاحها.


ثم تقول فيروز: «الحوثي معه القرار الميداني... وهم معهم البيانات».


حسنًا، منذ متى أصبحت القدرة على فرض الأمر الواقع بالقوة دليلًا على امتلاك القرار الوطني؟ الحوثي يستطيع أن يقول «لا»، ويستطيع أن يعطّل ويقصف ويهدد ويفرض شروطه في المناطق التي يسيطر عليها، كما يستطيع أن يساوم ويبتز في غرف المفاوضات. لكن القدرة على التعطيل والابتزاز ليست سيادة، والقدرة على الرفض ليست بالضرورة استقلالًا. فليس كل من يستطيع إفشال تسوية يملك قرار الحرب والسلام، وليس كل من يفرض شروطه بالسلاح يملك قرار اليمن. القرار الوطني هو أن تملك الدولة قرار الحرب والسلام والسلاح والسيادة، لا أن تملك جماعة مسلحة القدرة على إفشال كل تسوية لا تناسبها.


والأهم: إذا كان الحديث عن «الممول» معيارًا للحكم على استقلال القرار، فلماذا يُستخدم هذا المعيار مع الشرعية فقط؟ لماذا يصبح دعم التحالف للشرعية «ارتهانًا»، بينما لا تُفحص بالجدية نفسها علاقة الحوثي بإيران؟ وإن أردنا الإنصاف حقًا، فالفارق واضح: التحالف جاء بناءً على طلب رسمي من الحكومة الشرعية، وفي إطار عربي ودولي داعم لشرعية الدولة، بينما جاء التدخل الإيراني لمصلحة جماعة مسلحة انقلبت على الدولة واستولت على مؤسساتها. وقد أثبتت الوقائع منذ انقلاب الحوثي وجود دعم إيراني عسكري ولوجستي متواصل، بدأ بتسيير جسر جوي إلى صنعاء، ثم تطور إلى تهريب ممنهج للسلاح والخبرات والتقنيات، وما زال اليمن يدفع كلفة هذا التدخل حتى اليوم. دعم الحليف للدولة الشرعية ليس هو دعم دولة لجماعة مسلحة انقلبت على دولتها. أما تحويل الأول إلى «ارتهان» والتغاضي عن الثاني، فليس تحليلًا محايدًا، بل كيل بمكيالين.


أما العبارة التي تبدو أكثر إغراءً: «من يملك الأرض يفرض نفسه على طاولة التفاوض»، فهي نصف حقيقة فقط. نعم، السيطرة الميدانية تمنح أي طرف وزنًا تفاوضيًا، لكنها لا تمنحه ملكية الوطن ولا شرعية حكمه. وإلا أصبح الاحتلال حقًا، والانقلاب شرعية، والمليشيا دولة بمجرد أن تطيل مدة سيطرتها.


المعادلة الصحيحة إذن ليست: الحوثي معه الجغرافيا وهم معهم الفنادق.


المعادلة أن الحوثي يسيطر بالقوة على جزء من الجغرافيا، بينما تمتلك الشرعية جغرافيا محررة أوسع، وقيادات سياسية وعسكرية في الميدان، وحكومة ومؤسسات وقوى عسكرية، فضلًا عن حق الدولة وشرعيتها. لكنها، وهذا هو موضع النقد الحقيقي، لم تستخدم كل ما لديها بالقدر الكافي لاستكمال التحرير. فلماذا لم تتحول هذه الإمكانات إلى مبادرة؟ ولماذا لم يتحول ما تحقق في الجبهات إلى قرار سياسي وعسكري يغير ميزان المعركة؟ ولماذا تظل الدولة، وهي تملك كل هذه الأوراق، تتعامل مع الحرب أحيانًا بعقلية إدارة الأزمة بدل حسمها؟


نحن لا نريد مسؤولين في الشرعية يعيشون في الفنادق، بالتأكيد. لكننا لا نريد أيضًا مليشيا تعيش في صنعاء وتطلب منا أن نسمي سيطرتها «دولة». الفندق قد يكون مكان إقامة لمسؤول، لكنه لا يمكن أن يكون بديلًا عن الميدان، كما أن السيطرة على العاصمة لا يمكن أن تكون بديلًا عن الدولة.


نريد دولة.


دولة تستعيد عاصمتها، ويعود إليها مسؤولوها ونازحوها، وتحتكر السلاح والقرار، وتعيد مؤسساتها، وتنهي سلطة الأمر الواقع، وتضع حدًا لمنطق المليشيا الذي حوّل اليمن إلى ساحة مفتوحة للمشاريع الخارجية.


لذلك يا فيروز الوالي، بلاش مغالطة.


الحوثي قد يسيطر على جزء من الأرض، لكنه لا يملك اليمن. والشرعية قد تعاني من ضعف القرار والمبادرة، لكنها لا تفقد شرعية الدولة وحقها في استعادتها.


الجغرافيا تُستعاد، والفنادق تُغادر، أما الدولة فلا تُختزل لا في فندق ولا في مليشيا.