من قمة النفاق أن نصل إلى هذه الحالة وهذا الوضع الذي نعيشه اليوم، بينما يتجاهل البعض تاريخاً طويلاً من الفساد والعمالة واستغلال السلطة، ثم يحاولون تقديم أنفسهم وكأنهم أصحاب المواقف الوطنية والمدافعون عن السيادة.
فكل ما مارسه وفعله عفاش من عمالة للأمريكان وعلاقات سرية مع إسرائيل لم يكن خافياً على أحد. فقد كان، بحسب ما هو معروف، من أكثر الأنظمة ارتباطاً بالولايات المتحدة، كما أن العلاقة مع إسرائيل تمت في السر خلال عهده، ولم يلتقِ مسؤول يمني بمسؤولين إسرائيليين إلا في عهده، وفق ما يتم تداوله.
أما فيما يتعلق بالعمالة وتلقي الأموال من المملكة العربية السعودية، فلم يكن عفاش وحده في ذلك؛ فهذه الممارسات امتدت، بأشكال مختلفة، لدى العديد من القوى والشخصيات اليمنية منذ ستينيات القرن الماضي وحتى اليوم.
كما أن الحديث عن ثروات عفاش في الخارج، والتي تُقدَّر بمبالغ هائلة، ومنها ما يقال إنه تجاوز عشرات المليارات من الدولارات، يطرح سؤالاً واضحاً حول مصادر هذه الأموال وكيف تكوّنت، خصوصاً أن الشعب اليمني عاش طوال تلك العقود في ظل الفقر والمعاناة.
ولم يكن عفاش وحده الفاسد أو المستغل للسلطة في تكوين ثروته، بل إن العديد من رموز نظامه مارسوا الأمر نفسه. بل إن من أهم أسباب استمرار ولاء عدد من رموز النظام لعفاش كانت الملفات المتعلقة بالفساد، والتي كانت مركونة في أجهزة الأمن السياسي والأمن القومي، ولا يتم تحريكها إلا ضد من يخرج عن طاعته أو يختلف معه.
وعندما كان أحد هؤلاء يخرج عن طوع عفاش، كانت ملفات فساده تُسرَّب بصورة منظمة إلى وسائل الإعلام، وتبدأ معها حملات تطالب بتقديمه إلى القضاء ومحاكمته، في حين كانت الملفات نفسها تبقى مجمدة ما دام صاحبها موالياً للنظام.
وبعد سقوط نظام عفاش عام 2011، لم يتغير المشهد كما كان يتطلع إليه اليمنيون.
فالحكام الجدد الذين وصلوا إلى السلطة في أعقاب ثورة الربيع العربي، بقيادة قوى سياسية من بينها جماعة الإخوان، دخلوا بدورهم في دوامة الفساد واستغلال السلطة، وفي فترة قصيرة مارس بعضهم، بحسب منتقديهم، ما يفوق ما ارتُكب خلال عقود من حكم النظام السابق.
واستُغلت السلطة والنفوذ في بناء الشركات وتملك العقارات والعمارات والفلل والشقق في عدد من العواصم، ومنها الرياض وأبوظبي وإسطنبول والقاهرة، دون أن يجد كثير من هؤلاء من يسألهم السؤال البديهي: من أين لك هذا؟
لكن عندما شعر هؤلاء بأن استمرار تكوين الثروات واستنزاف الأموال السعودية قد يتوقف نتيجة أي تقدم حقيقي في مسار تحرير المحافظات الجنوبية والشرقية، وعلى رأسها حضرموت والمهرة، وإخراج القوات الشمالية الموجودة فيها منذ حرب احتلال الجنوب عام 1994، ثم الانتقال إلى مرحلة تحرير العاصمة صنعاء من مليشيات الحوثي، بدأت المصالح تتعارض بصورة أكثر وضوحاً.
فمثل هذا التحول يعني، بالنسبة إلى أصحاب المصالح، نهاية مرحلة طويلة من الاستنزاف والابتزاز السياسي والمالي، ولذلك تكاتفت قوى وشخصيات مختلفة ضد الرئيس عيدروس الزبيدي، وعملت على إسقاطه من منصبه في مجلس القيادة الرئاسي، واتهامه بالفساد والخيانة والعمالة والمطالبة بمحاكمته.
وهنا تبرز المفارقة الكبرى:
كيف يمكن لمن مارسوا الفساد واستغلال السلطة، وتكوّنت ثرواتهم خلال سنوات طويلة من معاناة الشعب، أن يقدموا أنفسهم اليوم باعتبارهم أوصياء على النزاهة والوطنية ومحاربة العمالة؟
إذا كانت هناك عدالة حقيقية، فإن أول من ينبغي أن يخضع للمساءلة هم الحكام السابقون والحاليون، وكل من استغل منصبه العام لتكوين ثروات ضخمة على حساب الشعب، مع التحقيق في مصادر أموالهم ومصادرتها إذا ثبت أنها أموال عامة أو أموال ناتجة عن الفساد واستغلال النفوذ.
أما الرئيس عيدروس الزبيدي، فإن تحميله وحده مسؤولية الفساد والخيانة والعمالة يتجاهل، ما تحقق على الأرض في الجنوب خلال فترة وجيزة، وما رافق ذلك من تحرير مساحات واسعة من مليشيات الحوثي وقوات عفاش.
كما أن الزبيدي، لم يجعل من قضية تحرير الجنوب وسيلة لتكوين ثروة شخصية أو أداة للابتزاز المالي، كما فعلت قيادات ومسؤولون آخرون جعلوا من ملف تحرير الشمال وصنعاء مشروعاً مفتوحاً لاستمرار التمويل والمكاسب الشخصية.
وهذا يقودنا إلى السؤال الأهم:
لماذا تعثّر تحرير الشمال والعاصمة صنعاء لأكثر من عشر سنوات، رغم الدعم الكبير الذي قدمه التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية؟
الجواب، أن استمرار الحرب وعدم حسم المعركة أصبح بالنسبة إلى بعض القوى والشخصيات المستفيدة من الوضع القائم أكثر ربحاً من إنهائها؛ فالحرب المستمرة تعني استمرار التمويل، واستمرار النفوذ، واستمرار تدفق الأموال، بينما يعني تحرير صنعاء وانتهاء سلطة الحوثيين انتهاء كثير من هذه المصالح.
ولهذا فإن من المستفيد من استمرار الحرب لن يكون حريصاً بالضرورة على إنهائها، ومن جعل من معاناة الشعب مصدراً للثراء لن يكون مستعداً بسهولة للتنازل عن المكاسب التي حققها من استمرارها.
وفي النهاية، فإن محاربة الفساد لا يمكن أن تكون انتقائية، والوطنية لا ينبغي أن تكون شعاراً يستخدم ضد الخصوم فقط. فمن يطالب بمحاكمة الآخرين بتهم الفساد والعمالة والخيانة، عليه أولاً أن يقبل بفتح جميع الملفات، ومحاسبة الجميع دون استثناء، وكشف مصادر الثروات التي تكوّنت طوال عقود من الزمن، حتى يعرف الشعب اليمني من سرق ثرواته، ومن استغل سلطته، ومن جعل من استمرار الحرب وسيلة لتحقيق مصالحه الشخصية.
وأقواها في الختام بكل صراحة ووضوح: افتحوا كل الملفات، وحاسبوا الجميع؛ فالفساد لا وطن له، والخيانة لا لون لها، والعدالة التي تستثني الحلفاء ليست عدالة، بل انتقامٌ سياسي بثوب القانون.
الصحفي صالح حقروص
2026/8/16م