في 11 يونيو 2023، صدر قرار بإبعاد العميد علي أحمد الجبواني من منصب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي في محافظة شبوة. وفي حين تعامل البعض مع القرار باعتباره تغييرًا إداريًا عابرًا، رأيناه حينها باعتباره مؤشرًا على تحوّل أوسع في مسار المشهد السياسي والعسكري في الجنوب.
قلناها بوضوح أمام الرأي العام: إن إبعاد الجبواني يمثل، في تقديرنا، نهاية مرحلة كان عنوانها الأبرز الأبطال والشرفاء والمخلصون للثورة والقضية الجنوبية، وبداية مرحلة جديدة تتقدم فيها حسابات النفوذ والتفاهمات السياسية على حساب الأدوار التي لعبها أصحاب المواقف الصلبة في مراحل التحرير.
لقد كانت مرحلة الأبطال مرتبطة بصورة أساسية بعمليات تحرير عدن وأبين ولحج والضالع، وهي المحافظات التي شهدت المواجهات الأشد، وقدم فيها أبناء الجنوب تضحيات كبيرة دفاعًا عن قضيتهم وحقهم في تقرير مستقبلهم.
لكن بعد إنجاز تلك المرحلة، بدأت ملامح مختلفة تظهر على المشهد. فبدل أن يكون الهدف هو بناء مؤسسات جنوبية تستند إلى إرادة أبناء الجنوب، بدا أن الصراع أخذ يتجه بصورة متزايدة نحو توزيع مناطق النفوذ، وإعادة ترتيب المواقع وفق مصالح الأطراف الداعمة وتفاهماتها.
ومن هنا يمكن فهم ما حدث في شبوة ضمن سياق أوسع. فتحرير شبوة لم يكن مجرد تطور عسكري أو سياسي محدود، بل كان حدثًا أربك حسابات كانت قائمة على توزيع النفوذ في الجنوب، وفتح الباب أمام استحقاقات أكبر تتعلق بحضرموت والمهرة، وهما محافظتان تتمتعان بأهمية استراتيجية واقتصادية وجغرافية كبيرة.
ومع اتساع رقعة التنافس، ظهرت الخلافات بين الأطراف الداعمة بصورة أكثر وضوحًا. فحين تتقاطع المشاريع الخارجية فوق أرض واحدة، يصبح من الصعب فصل الصراع على النفوذ عن مستقبل القضية نفسها.
ومن وجهة نظرنا، فإن المشكلة لا تكمن فقط في وجود دعم خارجي، وإنما في أن يتحول هذا الدعم إلى وصاية على القرار الجنوبي، أو أن يصبح الجنوب ساحة لتقاسم النفوذ بين أطراف إقليمية متنافسة.
وإذا كان أحد الكفلاء قد غادر المشهد، فإن المنطق نفسه يجب أن ينطبق على الكفيل الآخر؛ لأن الجنوب ليس ملكًا لأي دولة أو طرف إقليمي، وليس ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات أو تثبيت مناطق النفوذ.
الجنوب لأهله، وهذه ليست مجرد عبارة عاطفية، بل قاعدة سياسية يجب أن تكون أساسًا لأي مستقبل قادم. فأبناء الجنوب هم أصحاب المصلحة الأولى في تقرير مصير أرضهم، وهم وحدهم من ينبغي أن يحددوا شكل دولتهم ومستقبلها السياسي.
إن استعادة دولة الجنوب ليست مشروعًا مؤقتًا مرتبطًا بموازين القوى، ولا ورقة يمكن استخدامها في التفاوض ثم التخلي عنها عند تغير الظروف. إنها، بالنسبة إلى أبناء الجنوب، هدف استراتيجي ارتبط بتضحيات ودماء وأجيال من النضال.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط في مواجهة الخصوم، بل أيضًا في حماية القرار الجنوبي من أن يتحول إلى قرار مرتهن للخارج.
قد تختلف المواقف، وقد تتغير التحالفات، وقد يرحل هذا الكفيل أو يأتي ذاك، لكن الحقيقة التي ينبغي ألا تتغير هي أن الجنوب لأهله، وقراره لأبنائه، واستعادة دولته هدف لا ينبغي أن يخضع للمساومات أو لتقاسم النفوذ.
ومن شاء فليؤمن بهذا الطريق، ومن أبى فليعارضه؛ لكن إرادة الشعوب لا تُختزل في تفاهمات الكفلاء، ومستقبل الجنوب لا ينبغي أن يُكتب إلا بأيدي أبنائه.
الصحفي صالح حقروص
2026/8/15م