حين تختبر الأيام وجوهًا ظنناها أمانة

الخميس - 13 أغسطس 2026 - 01:45 م


أديب العقيلي
بقلم: أديب العقيلي
ارشيف الكاتب

هناك أشخاص لا تمنحهم الأيام مكانًا عابرًا في حياتك؛ يمضون معك سنوات طويلة، حتى يصبح حضورهم أشبه بالأخوة، وتصبح معرفتهم بأخلاقك وأمانتك أقدم من كثير ممن يشهدون لك بها.

لكن الغريب أن بعض العلاقات، مهما طال عمرها، قد تصل ذات يوم إلى منعطف لا يحتاج إلى ضجيج، بل إلى موقف صغير يكشف الكثير.

قد تكون هناك أمانة في مكان ما، يعرف صاحبها جيدًا لمن ينبغي أن تصل، ويعرف أيضًا أن الرجل الذي سيُطلب منه حملها ليس غريبًا عن الأمانة ولا جديدًا عليها. وربما لا يعلم حامل الأمانة أصلًا بوجودها، حتى تأتيه الكلمة من الشخص الذي يثق به، فيمد يده لا طمعًا بما فيها، وإنما احترامًا لمعنى الأمانة.

وهنا لا تكون المسألة مالًا، ولا قيمة ما يُسلَّم أو يُستلم؛ فالأمانات أثقل من أوزانها، وأحيانًا يكون امتحانها الحقيقي في النوايا التي تسبق التسليم، والقلوب التي تعرف صاحبها قبل أن تعرف ما في يده.

والأغرب أن يأتي من عاش قريبًا منك سنوات، وعرف أخلاقك كما يعرف تفاصيل بيته، ثم يختار أن يضع علامة استفهام في مكان لم تكن فيه يومًا علامة استفهام.

لكنني تعلمت أن بعض الرسائل لا تحتاج إلى أسماء، وبعض المواقف لا تحتاج إلى شرح؛ فمن كان يعنيه الأمر، سيعرف أن المقصود ليس ما قيل، وإنما ما بين السطور.

وفي النهاية، تظل الأمانة أمانة، والثقة عهدًا، أما السنوات الطويلة فلا تمنح أحدًا حق التشكيك في أخلاق من عرفه خلالها.

فالذي يعرفك حقًا، لا يحتاج إلى أن تسأله: من أنت؟

والذي شكّ فيك بعد كل تلك السنين، ربما كان السؤال الحقيقي: ماذا تغيّر فيه هو؟