حين تتأجل الحقوق يصبح الانتظار جزءًا من المعاناة

الإثنين - 10 أغسطس 2026 - 11:20 م


محمد خالد
بقلم: محمد خالد
ارشيف الكاتب

في اليمن، لم تعد المشكلة في الحرب وحدها، بل في كل ما تركته الحرب خلفها من ملفات معلقة وحقوق مؤجلة وحياة توقفت عند كثير من الناس. سنوات مرت، والوعود تتكرر، والأوراق تنتقل من مكتب إلى آخر، بينما يبقى المواطن في المكان نفسه ينتظر قرارًا ينصفه أو حقًا طال انتظاره.


ومن أكثر الملفات التي تكشف حجم هذه المعاناة ملف جرحى الحرب. رجال خرجوا إلى الميدان، ودفع بعضهم من أجسادهم ثمنًا للدفاع عن الأرض، ثم وجدوا أنفسهم بعد انتهاء المعارك أمام معركة أخرى لا تقل قسوة: البحث عن العلاج، والراتب، والمستحقات، والاعتراف بحقوقهم.


ليس من المنطقي أن يبقى جريح الحرب سنوات طويلة يثبت أنه جريح، أو يلاحق معاملة من جهة إلى أخرى، أو ينتظر أن تصل ورقته إلى مسؤول يتذكر أن خلفها إنسانًا له أسرة وحياة ومستقبل. الجرح الذي أصاب الجسد قد يكون له علاج، لكن جرح التجاهل يطول عندما يشعر صاحبه أن كل ما قدمه أصبح مجرد ملف محفوظ في درج.


وفي الوقت الذي ما زالت فيه هذه الحقوق تنتظر المعالجة، تعود الحرب إلى الواجهة من جديد، وتتعرض بعض المحافظات للقصف والهجمات، ويسقط مدنيون بين قتيل وجريح، وكأن البلاد لم تكتفِ بما دفعته طوال السنوات الماضية.


وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد مطالبة بحق أو احتجاج على تأخير معاملة: إلى متى سيظل المواطن يدفع ثمن قرارات لا يملكها؟


نحن بحاجة إلى الوصول إلى نهاية حقيقية لهذا الطريق الطويل، لأن الوطن لا يستطيع أن يتعافى وهو ينتقل من أزمة إلى أخرى، ولا يمكن أن يبدأ البناء بينما ملفات الماضي ما زالت مفتوحة، والجرحى ينتظرون، وأسر الشهداء تبحث عن حقوقها، والمدنيون يعيشون تحت احتمال عودة القصف في أي لحظة.


لقد عاش كثيرون من الحرب، واستفاد منها آخرون، بينما خسر آخرون أعز ما لديهم. هناك من فقد حياته، ومن فقد صحته، ومن غادر وطنه، ومن أصبح يعيش في المنفى وهو يراقب كل شيء يتغير من حوله، فيما حقه ما زال في المكان نفسه.


وهذه هي المفارقة المؤلمة: أن يرى الإنسان وطنه يتغير، والوجوه تتبدل، والتحالفات تتغير، والقرارات تتعاقب، بينما تبقى قضيته ثابتة في الأدراج.


اليوم، لا يحتاج الشباب إلى وعود جديدة بقدر ما يحتاجون إلى رؤية واضحة لما ينتظرهم. فمن يريد من هذا الجيل أن يستمر في العطاء، عليه أولًا أن يثبت أن تضحيات من سبقوه لم تذهب سدى. ومن يريد بناء دولة، فعليه أن يبدأ بمن دفعوا ثمن بقائها.


المسؤولية هنا لا تقع على جهة واحدة فقط، بل على كل من امتلك قرارًا أو سلطة أو قدرة على معالجة هذه الملفات. فالمنصب ليس امتيازًا منفصلًا عن المسؤولية، والقرار الذي يؤجل حق إنسان سنوات طويلة له تبعاته الأخلاقية والوطنية قبل أن تكون إدارية.


نحن لا نطالب بفتح الماضي من أجل الانتقام، ولا نريد أن تبقى البلاد أسيرة للملفات القديمة، بل نريد إغلاقها بالعدل. معالجة حقوق الجرحى، وإنصاف أسر الشهداء، ومراجعة الملفات المتعثرة، ووضع حلول واضحة للحقوق المؤجلة، كلها خطوات ضرورية حتى يستطيع اليمن أن يفتح صفحة جديدة.


الحرب التي قيل إنها ستصل إلى نهايتها يجب أن يكون لها نهاية فعلية، لا أن تبقى النهاية مجرد فكرة مؤجلة إلى وقت غير معلوم. فالناس بحاجة إلى أن يعرفوا متى تنتهي هذه المرحلة، ومتى يبدأ العمل الحقيقي على إعادة بناء ما تهدم، ومتى تتحول الوعود إلى قرارات ترى النور.


لقد اكتفينا من الأوراق التي تحفظ في الأدراج، ومن الوعود التي تنتقل من مسؤول إلى آخر. نريد أن نرى أثر القرار في حياة الناس، وأن يشعر الجريح أن تضحياته لم تُنسَ، وأن يشعر الشاب أن وطنه لا يحتاج إلى دمه كي يتذكره، بل يحفظ له حقه وهو حي.


ربما تكون النهاية التي ينتظرها اليمنيون أقرب مما نعتقد، لكن الوصول إليها يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية وشجاعة في اتخاذ القرار. فالوطن الذي أنهكته الحرب لا يحتاج إلى مزيد من الوقت الضائع، بل يحتاج إلى من يملك الشجاعة ليقول: كفى، حان وقت إغلاق الملفات، وإنهاء الحرب، ورد الحقوق، وبدء التعافي.