بقلم : أ/ سميح غازي أحمد علي المحامي.
بين تقاعس الشرطة وغياب النيابة: من يحاسب المتسببين في سقوط أرواح الموقوفين خلف القضبان؟
تغدو العدالة مجرد وهمٍ إجرائي حين تُسلب الكرامة الإنسانية داخل احتجازٍ أُقيم أساساً لإنفاذ القانون، فالدولة التي تعجز عن صيانة دماء موقوفيها تفقد أول أركان شرعيتها الإجرائية؛ ليبقى السؤال حاداً وحاضراً: هل أضحينا أمام غيابٍ للتفتيش أم اعترافٍ بانهيار المنظومة الإجرائية داخل الاحتجاز؟ إن ما تكشّف من روايةٍ أمنية بشأن وفاة الموقوف إبراهيم الكاف داخل احتجاز شرطة إنماء، على خلفية مزعوم التحرش، لا يُمثّل مجرد واقعة أليمة، بل يقدم إدانة قاطعة وشواهد إهمالٍ جسيم يندى له جبين المنظومة الأمنية والقضائية؛ إذ كيف يُترك موقوفٌ يصارع اضطراباً نفسياً وعقلياً حاداً، ويسلك سلوكياتٍ انفعالية قاسية جرت على مدى أيامٍ متواصلة، دون أن تتحرك ضمائر القائمين على المرفق لإغاثته طبياً أو نقله فوراً؟
إن هذا التقاعس يمثل خرقاً سافراً لواجب الحراسة وصيانة الأرواح، ويكشف جلياً عن حجم القصور المشترك بين النيابة والشرطة في إدارة هذه الفاجعة؛ إذ غابت أجهزة الضبط القضائي عن حماية النزيل، وتجاهلت النيابة دورها الإشرافي الأصيل، في إهدارٍ صريح للضمانات الدستورية. وأمام هذه الواقعة، يبرز التساؤل شاخصاً وصارخاً: من يحمي المتهم المضطرب نفسياً من نيران الإهمال الوظيفي حين تُنتهك النصوص الدستورية جهاراً؟ إذ كيف يُعصف بنص المادة رقم 48 من الدستور—التي تقرر كفالة الدولة لحريات المواطنين وكرامتهم وأمنهم، وتُحرم معاملة أي محتجز بما يمس إنسانيته، وتجعل من هذه الانتهاكات جرائم لا تسقط بالتقادم—في تجاوزٍ صارخ يمتد ليعصف في الوقت ذاته بأصل المادة رقم 47 من الدستور، والتي تترسخ على حقيقة أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكمٍ قضائيٍ بات.
إن المساءلة القانونية هنا تقف حادةً ومباشرة بوجه مأموري الضبط القضائي بشرطة إنماء الذين فرطوا في أمانة الاحتجاز والتأخر في الإبلاغ الفوري استناداً للمادة رقم 105 من قانون الإجراءات الجزائية، وبوجه النيابة العامة التي غلّت يدها عن دورها الآمر المباشر والمكفول بالمادة رقم 132 من ذات القانون النافذ في التفتيش الصارم على أماكن التوقيف. لقد وضع المشرع اليمني في المادة رقم 402 من قانون الإجراءات الجزائية خطاً أحمر لا يقبل التهاون، يُلزم السلطات بالوقف الفوري للإجراءات وإيداع المتهم الذي تظهر عليه علامات الاهتزاز العقلي مصحةً طبية متخصصة لخضوعه للمعاينة، استصحاباً للمبدأ التشريعي القاطع بالمادة رقم 33 من قانون الجرائم والعقوبات التي تدرأ المسؤولية الجنائية لغياب الإدراك والإرادة، وموجباً للمساءلة الجنائية عن الإهمال والتقصير الوظيفي وفق نص المادة رقم 256 من قانون الجرائم والعقوبات. إن التقاعس المشترك والتعامي المتبادل بين شرطةٍ تتفرج على انهيار نزيلها ونيابةٍ تغيب عن واجب التفتيش الرقابي، يضع الطرفين تحت مطرقة المسؤولية الجنائية والتقصيرية العاصفة، إذ لا شفاعة لمؤسسةٍ تفرط في روحٍ بداخل مراكزها، ولا سيادة لقانونٍ يُطبق بعينٍ وتُغمض عنه الأخرى، نسأل الله أن يرحمه ويغفر له ويتجاوز عن ذنوبه.
بقلم : أ/ سميح غازي أحمد علي-المحامي .
#المحاسبة_القانونية
#حقوق_المتهمين
#الرقابة_القضائية
#الدستور_اليمني
#عدن