وداعًا معلم الأجيال وصديق الجميع !

الثلاثاء - 04 أغسطس 2026 - 06:01 م


محمد علي محسن
بقلم: محمد علي محسن
ارشيف الكاتب

وتأبى الرزايا أن تأتي فرادى.. ولكنها تأتي كأمواج البحر تترى


بقلوبٍ مؤمنة بقضاء الله وقدره، تلقينا نبأ وفاة الأستاذ الفاضل صالح علي محسن (حوات)، الذي انتقل إلى رحاب ربه ، تاركًا خلفه حياةً حافلةً بالعطاء والإخلاص والوفاء.


الفقيد - رحمه الله - من أوائل الروّاد الذين أرّسوا دعائم العملية التربوية في مديرية جحاف ، ومعلمًا صلبًا ومميزًا محاربًا للجهل، ومنيرًا بالمعرفة عقولَ أجيالٍ تعاقبت، نهلت من معينه ، وأخذت واستفادت من قيمه الإنسانية الأصيلة ، فكان بحقّ مدرسةً متكاملةً في أخلاقه وعلومه .


كنت ألقاه في الجامع بحي العرشي بمدينة الضالع في كلّ صلاة جمعة، إلى أن افترقنا قبل بضعة أعوام، وفي كلِّ مرةٍ وجدتُه مبتسمًا ، ومتحدثًا ناضجًا صقلته الحياة .


كان مؤذنًا يصدح بصوته للصلاة من ميكروفون الجامع، وظلَّ صوتًا يوقظنا ويدعونا، لكنه لم يدم طويلًا ؛ فقد اشتدَّ مرضه، وتوارى منزويًا في معاناةٍ خفتت معها ذاك الألقُ والحيويةُ والحبور .


والفقيد من الرعيل الأول الذي حمل على كاهليه رسالة التعليم في ظروفٍ بالغة القسوة والتعقيد، فلم يكتفِ هو وزملاؤه بالوقوف أمام اللوحة والالتزام بالمنهج والوقت المحدد، وإنما كانت المهمة أعظمَ وأشمَل، لا سيما بعد الاستقلال الوطني على ما فيه.


فلقد كان وزملائه بُناةَ مدارسَ بجهودٍ مجتمعيةٍ طوعية، وجابوا القرى والبيوت في محاولاتٍ حثيثةٍ لإقناع أولياء أمور الأولاد والفتيات بقيمة التعليم، وقد تكللت تلك الجهود بإقبالٍ منقطع النظير على التعليم من كلا الجنسين.


وما مايزه عن نظرائه انه من النوعية الوسطية المرحة المحببة؛ فعلى الرغم من سنوات الجمر والحماسة الثورية التي سادت حقبة الستينات والسبعينات والثمانينات، إلا أن الرجل احتفظ بصلاتٍ إنسانيةٍ مع الجميع بلا استثناء.


كان معلمًا جامعًا بين الصرامة والشدة، وبين اللطف والطيبة؛ فهذه سجايا متأصلةٌ فيه، وبقيت ملازمةً له في سلوكه وحياته اليومية.

وإلى جانب أدواره الريادية، كان كاتبًا شرعيًا للوثائق والبصائر، إذ تصدّر هذا الموقع بنزاهة وبدقةٍ متناهيةٍ وإخلاصٍ لا يعرف التهاون، أمينًا حافظًا لحقوق الناس ومُلكياتهم، فكان حرزًا للثقة ، ومحطَّ رضى وقبول من الجميع دون استثناء .


عزاؤنا انه خلّف صدقةً جاريةً لا تنقطع، تتمثل في كلِّ طالبٍ علّمه، وكلِّ خُلقٍ رسّخه، وكلِّ حقٍّ حفظه؛ فتلك أعمالٌ تبقى، وإنْ غاب الجسدُ وتوارى ، كما أن سيرته العطرة، وأثره النقيَّ في النفوس، ومواقفه الإنسانية النبيلة، ستظلُّ ذكرى طيبة للأجيال القادمة، تتناقلها كإرثٍ أخلاقيٍّ ووطنيٍّ لا يُنسى.

وبهذا المصاب الجلل، نتقدّم بأصدق التعازي والمواساة إلى أولاده الأعزّاء: عادل ، و أ. فريد، والدكتور خليل، وإلى كافة أفراد أسرته الكريمة، ومحبّيه، واصدقائه وجيرانه في حي العرشي، وإلى أبناء قرية المداد خصوصًا ، ومديرية جحاف كافّة، داعين المولى - عزّ وجلّ - أن يشمله بواسع رحمته ومغفرته، وأن يسكنه فسيح جناته، ويلهم الجميع جميلَ الصبر وحسنَ العزاء.

" إنا لله وإنا إليه راجعون " .


محمد علي محسن