وداعًا المحامي / عبد الستار محمد بن محمد...

الثلاثاء - 04 أغسطس 2026 - 03:17 م


محمد علي محسن
بقلم: محمد علي محسن
ارشيف الكاتب

كم هو موجع ذلك الرحيل الذي يأتي دون موعد، ويأخذ في طيّاته قاماتٍ وادعة، عرفناها بالخلق الرفيع، والروح النبيلة، والفكر المستنير .

من المحزن حقًا أننا لم نلتقِ وجهًا لوجه منذ أيام الثانوية، لكن الفضل - بعد الله - يعود لمنصات التواصل التي لمّت شملنا، وكأنها ردّت شيئًا من غياب السنين . كنتَ مسرورًا بتعليقاته الناضجة، التي كانت مرآةً تعكس ثقافته الواسعة، وحسن خلقه، ورجاحة عقله.


لطالما جمعتنا المدرجات الافتراضية، كما جمعتنا من قبل أيام الدراسة والحياة عمومًا ، نشجع معًا نادي التلال، ونعيش انتصارات اللون الأحمر في عصره الذهبي، نُصفّق بحماسةٍ وفرح، كأن الزمن الجميل لا يغيب .

وكان والده، الأستاذ محمد بن محمد - رحمه الله - معلمًا لنا في الثانوية العامة لمادة الدين ، في حصة واحدة لا تُنسى ، أول حصة من صباح كل ثلاثاء، يغرس فينا المبادئ والقيم . كما كان شقيقه الأكبر، الدكتور عبد الودود محمد - حفظه الله ورعاه - مدرسًا لنا لمادة اللغة الإنجليزية، فأكملت هذه الأسرة الكريمة عقد التأثير الإيجابي في مسيرتنا التعليمية والتربوية .


وعبد الستار ينتمي إلى عائلةٍ رائدةٍ في ميدان التعليم، أسرةٍ تُعدّ من الأسماء القليلة المؤسِّسة للتعليم في الضالع، تلك المدينة التي أخرجت للوطن رجالًا ونساءً أشدّاء في العلم، أوفياء في العطاء .


وقد احتفظت بعلاقة طيبة مع الأستاذة الفاضلة فاطمة أثناء وجودنا في صنعاء، إذ كانت آنذاك عضوًا في مجلس الشورى، وهي صحفية رائدة أَثيرة إلى نفسي، وناشطة متمرسة، ومتحدثة فصيحة، تعشق لغة الضاد وتجيدها بحكم تخصصها، وكذلك الدكتورة شامة، أخصائية النساء والولادة، فمازالت لي ملاذًا آمنًا ألجأ إليه في لحظات الشدة والألم .


كان عبد الستار يسبقني بعام دراسي واحد، ولكم كانت الأيام حلوةً ولذيذة، تملؤها البساطة والصدق. وأذكر أنني تناولت قبل فترة موضوعًا يتصل بنبذ الغلو والتزمت الفقهي، ودعوت فيه شباب مدينة الضالع إلى مغادرة المساحة الضيقة نحو آفاق الأفكار الكبيرة المستنيرة، فجاءني تعليقًا مهذبًا، أنيقًا، عميقًا، يماثل صاحبه تمام المماثلة؛ إنه المحامي / عبد الستار بعينه، بروحه السمحة، وعقله المنفتح، وقلبه المتسع للجميع .

رحمة الله تغشاك يا عبد الستار، في زمنٍ تكالبت فيه الفواجع، وتتابعت فيه الأحزان، وأخذت منا الجلطات الدماغية والقلبية أعز الأحباب وأنبل الرجال ، فلقد كان رحيلك فاجعةً مؤلمة، تذكّرنا بهشاشة الحياة وجبروت الموت، غير أن عزاءنا أنك ذهبت إلى ربّ كريم، رحمن رحيم، فليتقبلك الله مع الصابرين والصالحين، وحَسُنَ أولئك رفيقًا..


خالص تعازينا القلبية، ومواساتنا الصادقة، إلى أسرته الكريمة عامة، وإلى ابنائه وإخوته جميعًا: الأستاذة فاطمة، والدكتور عبد الودود، والدكتور عبد اللطيف، والدكتورة شامة، وإلى كافة أقاربه وذويه وأصدقائه ، سائلين الله تعالى أن يلهمهم الصبر والسلوان، وأن يربط على قلوبهم، ويجعل هذا المصاب الجلل في ميزان حسناتهم . " إنا لله وإنا إليه راجعون ' ..


محمد علي محسن