بقلم: أ/ سميح غازي أحمد علي المحامي.
في مثل هذا اليوم من العام الماضي، توقفت الأنفاس شاخصة نحو أولى خطوات الخلاص الاقتصادي، حين تلقت الأوساط الشارعية والتنفيذية توجيهات صريحة تلزم الإدارة العامة بإشهار القائمة السوداء للمرافق الممتنعة عن توريد عائداتها للحساب السيادي. كانت المراهنة كبيرة على لجم ظاهرة التجريف المالي، لا سيما بعد افتشاح الخريطة المروعة لـ 147 منشأة ومرفقا حكوميا جرى اقتطاعها كإقطاعيات حصرية تدار جميعها تحت مظلة الحماية العسكرية والسياسية والحزبية.
إن احتجاز المال العام واستزراع الخزائن الموازية لا يستويان مطلقاً كمجرد إهمال مسلكي أو تسيب إداري، بل يمثلان عدواناً موصوفاً على المبادئ الدستورية الراسخة، وجريمة غسل ومساس بالاقتصاد الوطني تعطيلية لأحكام المادة 16 من قانون مكافحة الفساد. فالمال العام ليس ملكاً لسلطة أو نفوذ، بل هو حق حصري للمجتمع صين بحكم الشرع والقانون لحفظ الاستقرار المعيشي للمواطنين.
لكن الميدان الواقعي أثبت مرة أخرى أن نصوص الدستور اليمني والتشريعات الماليّة الصارمة وعلى رأسها القانون المالي رقم 8 لسنة 1990 تتحطم دوماً عند أسوار المصالح الحزبية والقيادات العسكرية والسياسية النافذة. تنص القوانين النافذة وقواعد قانون مكافحة الفساد رقم 39 لسنة 2006 على حظر استقطاع أو احتجاز أي إيراد عام خارج الحساب الموحد للدولة لدى البنك المركزي، وتعتبر الامتناع عن التوريد أو حماية الخزائن الموازية جريمة إضرار عمدي بالاقتصاد الوطني وفق أحكام قانون الجرائم والعقوبات رقم 12 لسنة 1994.
وبمرور عام كامل على تلك التوجيهات، أثبت الواقع أن سطوة الهوامير كانت أقوى من أختام القرار الرسمي، حيث طُويت القرارات في أدراج النسيان ودفنت الشفافية تحت وطأة الضغوط. إن استمرار هذا التستر الإداري يُحوّل آمال المواطنين في الانعاش الاقتصادي إلى مأتم مستمر من تدهور العملة وغلاء المعيشة، ليظل السؤال القائم بعد عام من الصمت: إلى متى تظل مؤسسات الدولة رهينة للولاءات الحزبية والنفوذ العسكري على حساب قوت الشعب وسيادة القانون؟
إن الإفراط في مهادنة المتنفذين لا يمنح الشرعية إلا للاقتصاد الموازي، ويحيل البنك المركزي إلى مجرد واجهة صورية مكبلة، فمن لا يملك زمام المورد لا يملك قرار السيادة. ولا سبيل لوقف هذا التداعي المتسارع إلا بتفعيل طائلة المساءلة الجزائية، وتجريد أرباب النفوذ من مظلات الرعاية السياسية والعسكرية، فالحق العام لا يسقط بالتقادم، وشرعية الدولة لا تُبنى على أنقاض القانون المهدور.
بقلم: أ/ سميح غازي أحمد علي - المحامي
#إهدار_المال_العام
#البنك_المركزي_اليمني
#غياب_الشفافية
#سيادة_القانون
#عدن