إنَّ مهمة التصدي للكتابة عن التاريخ الاقتصادي للأفراد والأسر والمؤسسات والشركات والدول ليست بالمهمة السهلة، في ظل ابتعاد أصحاب التجارب الريادية عن تدوين مذكراتهم ومسارات نجاحهم، وتوثيق مراحل بناء هذه الإمبراطوريات الاقتصادية طوبةً طوبة، الأمر الذي يضع المهتم او الباحث أمام تحديات كبيرة، ويجعله أحياناً مضطراً إلى الاعتماد على روايات شفهية أو تدوينات لاحقة قد لا تبلغ مستوى التوثيق المنشود، بما يحمله ذلك من مخاطر فقدان بعض التفاصيل الدقيقة التي تصنع قيمتها التاريخ.
ومن هنا، وفي سياق استقراء التاريخ الريادي للبيوت التجارية في شبوة، يتصدر بيتُ آل عثيمان المشهد بلا منازع، بوصفه أحد أعرق النماذج التي دشنت انطلاقةً مهجريةً استثنائيةً في بلاد العروبة وأرض زايد الخير، حيث امتزجت روح المبادرة بصدق الكفاح، لتُرسي تجربةً اقتصاديةً رائدةً تجاوز أثرها حدود التجارة إلى صناعة اسمٍ ظل حاضرًا في سجل الريادة والنجاح.
و أجدها فرصة لتوجيه دعوة أخوية صادقة ومأمولة إلى عميد البيت ووريث امبراطوريتها، الشيخ صالح بن عثيمان، لتبني تأسيس مركز للدراسات الاقتصادية بجامعة شبوة، ليكون جسراً بين ذاكرة الاقتصاد الشبواني وتجارب الحاضر وتطلعات المستقبل.
فمثل هذا المشروع لن يكون مجرد مبادرة أكاديمية، بل سيكون إرثاً معرفياً واقتصادياً يضاف إلى سجل هذه الأسرة العريقة، ويسهم في حفظ تجارب الرواد الأوائل، ودراسة مسارات التنمية والاستثمار في شبوة، وفتح آفاق جديدة أمام الباحثين والطلاب، وتعزيز مكانة الجامعة ودورها في خدمة المجتمع.
إن تأسيس مركز بهذا الحجم يمثل عملاً يتجاوز حدود الدعم التقليدي، إلى صناعة أثر مستدام يبقى للأجيال القادمة، فالثروات المالية مهما بلغت قيمتها تبقى محدودة بعمر أصحابها، أما الاستثمار في المعرفة وبناء المؤسسات البحثية فإنه يصنع تاريخاً متجدداً لا ينتهي، ويفتح النافذة من جديد على تاريخ اول البيوت التجارية العامرة بالرجال والمال والخير الوفير.
ولعل من أكبر تحديات عصرنا أن الماديات أصبحت في كثير من الأحيان تطغى على قيمة الأفكار والمشاريع النوعية، حتى غدا تقييم الأعمال مرتبطاً بعائدها المباشر، من أبسط الوظائف إلى أعلى المرجعيات، وهي نتيجة طبيعية لظروف مرحلة تحتاج إلى إعادة الاعتبار لفكرة أن بناء الإنسان والمعرفة هو أعظم استثمار يمكن أن تقدمه المجتمعات لنفسها.
وإذا كانت هذه الإمبراطورية التجارية قد صنعت تاريخًا اقتصاديًا خالدًا بعيدا ارضها، فإنها اليوم مدعوة إلى صناعة تاريخٍ جديد، ولكن هذه المرة في ميدان العلم والمعرفة.
ومن هنا، نتطلع إلى مبادرةٍ كريمةٍ من الشيخ الجليل صالح بن عثيمان، بأن تتبنى هذه الإمبراطورية التجارية مشروع إنشاء مركز الأبحاث والدراسات الاقتصادية في جامعة شبوة، ليكون وقفًا علميًا رائدًا يوثق التاريخ الاقتصادي للمحافظة، ويرصد مسيرة بيوتاتها التجارية وروادها، ويحتضن الدراسات والبحوث التي تسهم في رسم ملامح التنمية المستقبلية.
إن تبني هذا المشروع لن يكون مجرد دعمٍ لمؤسسة أكاديمية، بل سيكون استثمارًا في ذاكرة شبوة وهويتها الاقتصادية، ورسالة وفاءٍ لتاريخٍ صنعته هذه الإمبراطورية، وإرثًا معرفيًا يخلد اسمها بوصفها لم تكتفِ بصناعة الريادة في الأسواق، بل أسهمت أيضًا في بناء صرحٍ علميٍ يظل منارةً للأجيال، والبوابة الأولى للتعريف بتاريخ شبوة الاقتصادي ورجالاتها الذين صنعوا أمجادها.
وإذا كانت جامعة شبوة هي الحاضنة الطبيعية لهذه المبادرة، فإن قيادة المحافظة، ممثلةً بمحافظها الشيخ الحكيم عوض بن الوزير، تمتلك اليوم فرصةً لتسجيل محطةٍ جديدة في مسيرة الوفاء لرموز شبوة وصُنَّاع نهضتها، عبر رعاية هذا المشروع العلمي حتى يرى النور. وهي مبادرةٌ نثق بأنها ستجد منه كل الاهتمام، لما يجمعه من إيمانٍ بقيم التاريخ، وحرصٍ على بناء المستقبل، وإدراكٍ بأن الأمم التي تحفظ ذاكرة روادها، هي الأقدر على صناعة روادٍ جدد.