ليست هذه محاولة للإشادة بأشخاص أو استدعاء أسماء، بقدر ما هي محاولة لفتح نافذة على تاريخٍ اقتصاديٍ واجتماعيٍ ظل طويلًا بعيدًا عن التوثيق، رغم أنه يشكّل جزءًا أصيلًا من ذاكرة شبوة، وأسهم في رسم ملامح النهضة التجارية الأولى للوطن. فالأمم لا تحفظ تاريخها بالحروب والسياسة وحدها، بل تحفظه أيضًا بسيرة روادها الذين شيدوا الاقتصاد، وأرسوا قيم العمل، وتركوا للأجيال إرثًا يستحق أن يُروى.
في زحام الأحداث اليومية، كثيرًا ما تمر بنا قصص تستحق أن تُكتب بماء الذهب و الذاكرة، لا بحبر الصحافة. ومن بين تلك القصص، جاءت مكالمة اخي سعادة السفير سعيد بوحربة، الرجل الذي عرفته ميادين العمل العام دبلوماسيًا وسياسيًا وامنيًا يحمل شبوة في وجدانه أينما حل، ويحرص أن يظل اسمها حاضرًا في المجالس والمحافل كما يليق بتاريخها ومكانتها.
كان وقع الاتصال على نفسي كوقع الغيث على أرض عطشى؛ حديثًا اتسم بعمق الرؤية، وهدوء السياسي، وبعد نظر رجل خبر دهاليز الدولة وعرف كيف تُقرأ التحولات بعيدًا عن الضجيج.
تنقل الحديث بين شؤون الوطن ومستجدات المشهد، وتوقف طويلًا عند شبوة، التي أجمعنا بأنها تعيش مرحلة مختلفة في ظل قيادة محافظها الشيخ عوض محمد ابن الوزير، حيث استعادت شيئًا من حضورها وهيبتها، وأصبحت تتصدر المشهد في أكثر من مجال، بعد سنوات أثقلتها الأزمات.
وبينما كنت أظن أن الحديث أوشك على نهايته، باغتني سعادة السفير بسؤال بدا بسيطًا في لفظه، عظيمًا في معناه:
"هل تعرف الشيخ صالح بن عثيمان البابكري؟"
أجبته بصراحة أن المعرفة الشخصية لم تتحقق، على الرغم من الروابط الاجتماعية، بهذه الاسرة والقبيلة العريقة، عدا عن بريق اسمها الكريم في الذاكرة الشبوانية، والوطنية، بما تمثله من مكانة اجتماعية، وحضور اقتصادي، وإرث تجاري ضارب في القدم.
وهنا تغير مسار الحديث.
وجدت نفسي أعود عشرات السنين إلى الوراء، أبحث في ذاكرة المكان عن البدايات الأولى للتجارة المنظمة في شبوة، وعن الرجال الذين حملوا أحلامهم على أكتافهم، قبل أن تحملهم الشهرة أو الثروة.
قلت لسعادة السفير: إنني أعتقد أن بيت البابكري يمثل أول البيوت التجارية العريقة في شبوة، وربما من أوائل البيوت التجارية التي رسخت حضورها في اليمن والخليج العربي، في زمن كانت فيه التجارة تبنى على الكلمة الصادقة، والثقة المتبادلة، والأمانة التي كانت رأس المال الحقيقي قبل أن تكون الأموال هي المقياس.
وحينها، قفز إلى ذهني اسم رجل الاقتصاد اليمني الكبير، الحاج هايل سعيد أنعم رحمة الله عليه.
ولم تكن المقارنة بين حجم الإمبراطوريتين، فلكل تجربة ظروفها وامتدادها، وإنما في الفكرة التي صنعت النجاح؛ رجل يبدأ من بيئة بسيطة، يؤمن بأن التجارة رسالة قبل أن تكون مكسبًا، وأن السمعة رأس مال لا يقدر بثمن، فيؤسس كيانًا يبقى بعده، وتحمله الأجيال جيلاً بعد جيل.
وهكذا أرى قصة الوالد المؤسس، خالد الذكر الشيخ عثيمان بن سعيد البابكري، الذي خرج من قرية قُويرة، بحبان الشهيرة، العامرة بتاريخها وأصالتها، يحمل عزيمة الرجال، ويشق طريقه بثبات حتى وضع اللبنات الأولى لصرح اقتصادي أصبح مع مرور الزمن واحدًا من أبرز البيوت التجارية التي عرفتها شبوة بل والوطن و الخليج .
ولعل ما يثير الدهشة أن تاريخًا بهذه القيمة، ظل حبيس الروايات الشفوية، ولم ينل حظه من التوثيق والبحث، وكأن الذاكرة الاقتصادية أقل شأنًا من الذاكرة السياسية، مع أن الاقتصاد هو الذي يصنع استقرار المجتمعات، ويمنح الأوطان أسباب القوة والاستمرار.
إن البيوت التجارية الكبرى ليست مجرد مؤسسات تبيع وتشتري، وإنما مدارس في الانضباط، ومراكز لبناء الثقة، وجسور تصل المجتمع بالأسواق، وتخلق فرص العمل، وتسهم في حركة العمران والتنمية، وتغرس في النفوس ثقافة الكسب الشريف.
ومن هنا، فإن الإنصاف يقتضي أن يُعاد فتح هذا الملف، لا بروح المديح، وإنما بروح الباحث الذي يريد أن ينقذ تاريخًا من النسيان، وأن يمنح الأجيال القادمة فرصة للتعرف على الرجال الذين صنعوا البدايات، يوم لم تكن الطرق معبدة، ولا الأسواق مكتملة، ولا الإمكانات كما هي اليوم.
إن شبوة التي نفخر اليوم بما تشهده من نهضة، تستحق أيضًا أن تفتخر بتاريخها الاقتصادي، وأن تكتب سير رجالها كما كتبت سير فرسانها وعلمائها، لأن بناء الوطن لا يقوم على السياسة وحدها، بل يقوم كذلك على سواعد التجار الشرفاء الذين جعلوا من الصدق منهجًا، ومن العمل عبادة، ومن خدمة المجتمع رسالة.
وأمام هذا التاريخ، فإنني أوجه دعوة صادقة إلى أبناء أسرة البابكري الكريمة، وإلى كل من يحتفظ بوثيقة، أو صورة، أو رسالة، أو رواية موثقة، أن يمد بها يد العون، حتى يرى هذا التاريخ النور في عمل يليق بقيمته، ويكون مرجعًا للأجيال القادمة، لا مقالًا قابلا ان يطويه الزمن.
فالتاريخ لا يرحم من يهمل ذاكرته، والأمم العظيمة لا تبدأ من لحظة ازدهارها، وإنما تبدأ من أول رجل آمن بحلمه، وأول تاجر جعل من الأمانة رأسماله، وأول بيت تجاري فتح أبوابه للناس، فصار مع الأيام جزءًا من هوية المكان.
ولعل أعظم ما يمكن أن نقدمه لشبوة اليوم، ليس أن نصف حاضرها فحسب، بل أن نحفظ ماضيها، لأن المستقبل الذي لا يستند إلى ذاكرةٍ صادقة، يبقى مستقبلًا ناقص الجذور.