كل أمة تبحث عن مستقبلها تبدأ من سؤال المعرفة، بينما يبدأ العالم العربي غالبا من سؤال السلطة. ولهذا لا يبدو غريبا أن يصبح السياسي أكثر تأثيرا من المفكر، وأن تتحول الثقافة إلى هامش يتذكره الجميع في المناسبات وينسونه عند صناعة القرار. لسنوات طويلة، جرى الاحتفاء بالمثقف العربي بوصفه حارس الوعي وصوت المجتمع، لكن الواقع يكشف صورة مختلفة. فالمثقف الذي كان يفترض أن يقود النقاش العام أصبح في كثير من الأحيان مجرد شاهد على الأحداث، يكتب المقالات، ويشارك في الندوات، ويظهر في البرامج التلفزيونية، بينما تتحرك السياسات والاقتصاد والتعليم والإعلام في اتجاه آخر لا يأبه كثيرا بما يكتبه أو يقوله.
هذه ليست أزمة أفراد، بل أزمة بنية كاملة. فالثقافة في العالم العربي لم تعد جزءا من مشروع الدولة، ولا من أولويات المجتمع، بل أصبحت نشاطا نخبويا معزولا. وعندما تصبح الثقافة معزولة، يتحول المثقف إلى متحدث داخل دائرة مغلقة، يسمعه مثقفون مثله، بينما يبقى الجمهور بعيدا عن النقاش الحقيقي. والسؤال الذي يجب أن يطرح اليوم ليس أين المثقف؟ بل أين المكان الذي يسمح للمثقف بأن يؤدي دوره؟ فلا جامعة عربية تحولت إلى مصنع للأفكار الكبرى، ولا وسائل الإعلام جعلت الفكر مادة يومية، ولا المؤسسات السياسية تنظر إلى الباحثين باعتبارهم شركاء في صناعة السياسات. وهكذا بقيت المعرفة حبيسة الكتب، بينما انتقلت صناعة الرأي العام إلى منصات تفضل الإثارة على التفكير. لقد تغير العالم بسرعة، لكن الخطاب الثقافي العربي ظل يدور حول الأسئلة نفسها، وباللغة نفسها، وبالأدوات نفسها. وبينما كانت الأمم تستثمر في مراكز الأبحاث والابتكار والذكاء الاصطناعي واقتصاد المعرفة، انشغل جزء من المشهد الثقافي العربي بمعارك شخصية، وسجالات أيديولوجية مستهلكة، وصراعات لا تضيف شيئا إلى حياة الإنسان العربي.
المؤلم أن كثيرا من المؤسسات الثقافية تخلط بين النشاط الثقافي والإنتاج الفكري. فتنظيم عشرات الندوات لا يعني وجود نهضة، وإقامة معارض الكتب لا تعني بالضرورة ازدهار القراءة، وكثرة الجوائز لا تعني أن المجتمع أصبح أكثر وعيا. فالثقافة لا تقاس بعدد الفعاليات، وإنما بمدى حضورها في المدرسة، والجامعة، والإعلام، والقضاء، والاقتصاد، وفي طريقة تفكير الناس.يتحمل بعض المثقفين مسؤولية هذا التراجع عندما اختاروا الانعزال داخل اللغة الأكاديمية المغلقة، أو استسلموا لفكرة أن دورهم يقتصر على التنظير. فالفكر الذي لا يستطيع مخاطبة المجتمع بلغة واضحة يفقد تدريجيا قدرته على التأثير، مهما بلغت قيمته العلمية. ليست مهمة المثقف أن يجعل الناس يشعرون بجهلهم، بل أن يمنحهم أدوات لفهم العالم.كما أن العلاقة بين المثقف والسلطة ظلت علاقة مرتبكة. فهناك من اختار الصمت حفاظا على موقعه، وهناك من تحول إلى معارض دائم دون أن يقدم بديلا، وهناك من جعل ولاءه للأيديولوجيا أقوى من ولائه للحقيقة. وفي الحالات الثلاث، خسر المجتمع الدور الذي كان ينتظره من المثقف: أن يكون ضميرا نقديا مستقلا.
إن الأزمة الحقيقية ليست في غياب المفكرين، وإنما في غياب الإرادة التي تحول أفكارهم إلى سياسات، وأبحاثهم إلى مشاريع، ورؤاهم إلى إصلاحات. فلا قيمة لأي إنتاج فكري إذا بقي حبيس الرفوف، ولا معنى لأي حوار ثقافي إذا لم ينعكس على حياة الناس.إن الأمم لا تتقدم لأن لديها عددا كبيرا من المثقفين، بل لأنها تعرف كيف تستثمر المعرفة في بناء الإنسان والدولة. أما حين تصبح الثقافة مجرد واجهة، ويتحول الفكر إلى زينة لغوية، فإن المجتمع يفقد واحدة من أهم أدوات تقدمه.لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار للفكر، لا باعتباره ترفا ثقافيا، بل باعتباره ضرورة سياسية واقتصادية وحضارية. فالأوطان لا تبنى بالخطب وحدها، ولا بالشعارات، وإنما بالعقول التي تجرؤ على طرح الأسئلة الصحيحة، وإنتاج الأفكار القادرة على تغيير الواقع. السؤال الأكثر إلحاحا اليوم ليس: لماذا تراجع دور المثقف العربي؟ بل لماذا أصبح العالم العربي يخشى الأفكار أكثر مما يخشى الأزمات؟ فحين تخاف المجتمعات من التفكير الحر، فإنها لا تؤجل نهضتها فقط، بل تؤجل مستقبلها كله.
#زكريا_نمر