كيف أعادت الجوائز الأدبية تشكيل السرد العربي؟

قبل ساعة


زكريا نمر
بقلم: زكريا نمر
ارشيف الكاتب

لم يعد السؤال الذي يشغل كثيرا من الكتاب العرب ما النص الذي أريد أن أكتبه؟، بل أصبح ما النص الذي يمكن أن يصل إلى القائمة الطويلة؟ هذا التحول ليس تفصيلا هامشيا، بل يعكس تغيرا عميقا في وظيفة الأدب. فالكتابة التي كانت تنطلق من ضرورة فكرية أو جمالية أصبحت، في بعض الحالات، تنطلق من حسابات السوق، وتوقعات لجان التحكيم، ومتطلبات دور النشر. وهنا تبدأ الأزمة، لأن النص لم يعد يبحث عن لغته الخاصة، بل عن اللغة التي يعتقد أنها ستنال الاعتراف.لقد لعبت الجوائز الأدبية دورا مهما في دعم حركة النشر، والتعريف بأسماء جديدة، وإعادة الاهتمام بالرواية العربية. وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها. لكن كل مؤسسة ثقافية تملك القدرة على صناعة الذائقة، تملك أيضا القدرة على إعادة توجيهها. وعندما يتركز الضوء على جنس أدبي واحد، تتراجع بقية الأجناس إلى الهامش مهما بلغت قيمتها الفنية.ولهذا لم يكن من قبيل المصادفة أن تتراجع القصة القصيرة، والمسرحية، والنصوص التجريبية، أمام المد الروائي. فالكاتب الشاب يرى أن معظم الجوائز الكبرى تحتفي بالرواية، وأن الإعلام يحتفي بها، وأن دور النشر تستثمر فيها، فيتوهم أن الأدب اختزل في هذا الجنس وحده.


وبدأت موجة تضخم روائي غير مسبوقة. عشرات الروايات تصدر كل شهر، لكن السؤال الذي يندر أن يطرح هو كم رواية منها كانت تستحق فعلا أن تكون رواية؟ لقد تحولت الرواية، لدى بعض الكتاب، إلى وعاء يمكن أن يحمل أي شيء يوميات، مقالات، تأملات فلسفية، منشورات وسائل التواصل، مذكرات شخصية، أو حتى خواطر متناثرة. يكفي أن تقسم إلى فصول ويمنح أبطالها أسماء حتى تسوق على أنها رواية.


هذه ليست أزمة الرواية، بل أزمة فهم الرواية.الرواية ليست نصا طويلا، بل بناء معقد للعالم. إنها هندسة سردية تقوم على تطور الشخصيات، وتنامي الصراع، وتحولات الزمن، والعلاقات الإنسانية، والإيقاع، واللغة، والرؤية. وإذا غابت هذه العناصر، بقي النص طويلا، لكنه لا يصبح رواية.وفي الوقت نفسه، تعرضت القصة القصيرة لقدر كبير من التهميش. فمن جهة تراجعت مساحات نشرها، ومن جهة أخرى جرى التعامل معها بوصفها مرحلة تمهيدية قبل الانتقال إلى الرواية، وكأنها فن ناقص يحتاج إلى أن يكبر. بينما الحقيقة أن القصة القصيرة من أصعب الفنون السردية، لأنها لا تسمح للكاتب بالاختباء خلف الإطالة أو الحشو. كل جملة فيها معرضة للاختبار.


ولا تقع المسؤولية على الجوائز وحدها. فدور النشر ساهمت، بدرجات متفاوتة، في ترسيخ منطق السوق. كثير منها بات ينظر إلى المخطوطة بوصفها منتجا قبل أن تكون عملا أدبيا. والسؤال الذي يتكرر في الكواليس ليس هل هذا النص يضيف إلى الأدب؟بل هل يمكن بيعه؟ وهل ينسجم مع ما يطلبه القارئ اليوم؟ لكن القارئ نفسه لم يولد بهذه الذائقة، بل تشكلت ذائقته عبر سنوات من الترويج المكثف لنمط واحد من الكتابة، حتى أصبح يعتقد أن الرواية هي الأدب، وأن ما عداها مجرد هوامش.ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتضيف بعدا جديدا للمشهد. أصبح الكاتب مطالبا بأن يكون مسوقا، وصانع محتوى، وخبيرا في بناء صورته العامة، قبل أن يكون صاحب مشروع أدبي. وصارت قيمة الكتاب، في أحيان كثيرة، تقاس بعدد الصور المنشورة معه، وعدد المراجعات السريعة، وعدد الوسوم المتداولة، لا بقدرته على البقاء في الذاكرة.


والأكثر إثارة للقلق أن بعض الكتاب بدأوا يكتبون وفق وصفة متخيلة للجوائز موضوع سياسي، قليل من التاريخ، بعض قضايا الهوية، شخصيات تعاني، نهاية مفتوحة، ولغة تميل إلى الغموض. وكأن الأدب تحول إلى معادلة جاهزة يمكن تكرارها كل عام. لكن النصوص التي تولد من الوصفات نادرا ما تعيش طويلا، لأنها تستجيب لتوقعات اللحظة، لا لأسئلة الإنسان.ولا يعني هذا أن كل رواية فائزة ضعيفة، أو أن كل جائزة منحازة، أو أن كل دور نشر تجارية. فهناك أعمال عظيمة استحقت التكريم، وجوائز حافظت على معايير فنية رفيعة، وناشرون دافعوا عن الأدب الحقيقي. لكن الإشكال يظهر عندما تتحول هذه النماذج إلى قالب يسعى الجميع إلى تقليده، وعندما يصبح النجاح مرهونا بالتشابه أكثر من ارتباطه بالابتكار.إن المشهد الأدبي العربي لا يحتاج إلى مزيد من الروايات المكتوبة وفق مزاج السوق، بل يحتاج إلى استعادة استقلال الكاتب عن السوق. يحتاج إلى ناقد لا يخشى القول إن هذا النص ليس رواية، حتى لو بيعت منه آلاف النسخ. ويحتاج إلى ناشر يؤمن بأن القيمة الأدبية ليست دائما الأكثر رواجا، وإلى قارئ يختار النص لأنه جيد، لا لأنه يحمل ملصق "الأكثر مبيعا أو المرشح للجائزة فالأدب لا ينهض بالجوائز وحدها، ولا يسقط بسببها. الذي ينهض بالأدب هو الكاتب الذي يرفض أن يكتب وفق الطلب، والناقد الذي يرفض المجاملة، والقارئ الذي يبحث عن الحقيقة الفنية لا عن الضجيج الإعلامي.


وعندما يستعيد الأدب حريته من سلطة السوق، ستعود الرواية إلى مكانها الطبيعي بوصفها فنا، لا موضة، وستستعيد القصة القصيرة مكانتها بوصفها أحد أكثر الأجناس الأدبية قدرة على قول الكثير بأقل عدد من الكلمات. أما إذا بقيت الذائقة أسيرة التسويق، فسنواصل إنتاج كتب تحمل أسماء مختلفة، لكنها تتشابه في بنيتها، ولغتها، وطموحها الوحيد: الوصول إلى منصة التتويج، لا إلى ذاكرة الأدب.


#زكريا_نمر