إسلام آباد ترسم حدود اللعبة: لماذا اختارت باكستان أمنها القومي عنواناً لمواجهة ال(ح.وث)يين؟

قبل ساعة


د.علي العسلي
بقلم: د.علي العسلي
ارشيف الكاتب

في السياسة الدولية، لا تُقاس الرسائل بما تقوله فقط، بل بما تختار الدول أن تقوله وكيف تصوغه. ومن هذه الزاوية، لم يكن بيان وزارة الخارجية الباكستانية الأخير بشأن تهديدات الحوثيين للملاحة في البحر الأحمر مجرد موقف دبلوماسي عابر، بل كان إشارة استراتيجية تحمل أكثر من معنى؛ فإسلام آباد لم تضع القضية في إطار التضامن السياسي فقط، بل رفعتها إلى مستوى الأمن القومي والمصالح الحيوية الباكستانية.


وهنا تكمن أهمية الرسالة؛ فباكستان، وهي دولة ذات وزن عسكري ونووي، لم تتحدث باعتبارها طرفاً يدخل مواجهة بالنيابة عن طرف آخر، بل باعتبارها دولة ترى أن أمن الممرات البحرية المتصلة بتجارتها وإمدادات الطاقة جزء لا يتجزأ من أمنها الوطني. فباب المندب والبحر الأحمر ليسا مجرد جغرافيا بعيدة، بل ممرات استراتيجية ترتبط بحركة الاقتصاد العالمي وبمصالح دول تمتد من آسيا إلى الخليج.


إن اختيار عبارة "الأمن القومي الباكستاني" لم يكن تعبيراً بروتوكولياً، بل اختياراً سياسياً وقانونياً دقيقاً؛ فهو يمنح إسلام آباد مساحة للتحرك باعتبارها تدافع عن مصالحها المباشرة، لا باعتبارها تنخرط في صراع إقليمي مفتوح. ولذلك جاء البيان حريصاً على الجمع بين ثلاثة مرتكزات: حماية الملاحة الدولية، حماية السفن والمصالح الباكستانية، والتأكيد على احترام القانون الدولي.


ورغم عمق العلاقات التاريخية والاستراتيجية بين باكستان والمملكة العربية السعودية، وارتباطهما باتفاقية دفاع مشترك، فإن هذا الموقف لا يعني بالضرورة تحويل كل تهديد للمصالح السعودية إلى التزام عسكري تلقائي. فالدول لا تتحرك فقط بوحي من روابط التحالف، بل بموجب حسابات دقيقة لمصالحها وحدود التزاماتها؛ ولهذا اختارت إسلام آباد لغة تلتقي فيها مع حلفائها دون أن تفقد هامشها السياسي والاستراتيجي.


​كما أن هذه الصياغة تعكس إدراكاً باكستانياً لحساسية البيئة الإقليمية؛ فهي دولة ترتبط بعلاقات معقدة مع محيطها، وتدرك أن الانخراط في مواجهة مفتوحة يحتاج إلى مبررات تتجاوز الاصطفافات السياسية. وعندما تصف التهديد بأنه يمس أمنها القومي، فإنها تنقل القضية من دائرة التجاذب الإقليمي إلى دائرة حماية المصالح المشروعة وفق القانون الدولي.


​وهذه الرسالة تحديداً ينبغي أن تُقرأ جيداً في صنعاء؛ فالمعادلة لم تعد محصورة في حسابات النفوذ المحلي أو الصراع الإقليمي، بل أصبحت تمس دولاً ترى في أمن البحر الأحمر وباب المندب جزءاً من أمنها الاقتصادي والاستراتيجي. فاستهداف الملاحة أو تهديد السفن التجارية لا يخلق أوراق قوة إضافية، بل يوسع دائرة الأطراف المتضررة، ويجعل كلفة المواجهة أكبر على من يختار التصعيد.


والمفارقة أن أول من سيدفع ثمن هذا المسار هو المواطن اليمني. فكل اضطراب في أحد أهم شرايين التجارة العالمية ينعكس سريعاً على تكاليف النقل والتأمين وأسعار الغذاء والدواء، في بلد أنهكته سنوات الحرب ويحتاج إلى الاستقرار أكثر من أي وقت مضى.



ولا يقتصر الخطر على الاقتصاد؛ فالبحر الأحمر يمثل ثروة وطنية وبيئية لليمن. وأي استهداف غير محسوب لناقلات النفط أو السفن التجارية قد يقود إلى كارثة بيئية لا تتوقف آثارها عند حدود السياسة، بل تضرب الثروة البحرية ومصدر رزق آلاف الأسر اليمنية التي تعتمد على الصيد.


إن لغة المصالح الدولية لا تعرف المجاملات، ورسالة إسلام آباد تتجاوز حدود البيان نفسه: أمن الملاحة الدولية ليس مساحة مفتوحة للمغامرات، والممرات البحرية التي تعتمد عليها حركة التجارة العالمية ستجد دائماً قوى مستعدة للدفاع عنها عندما تمس مصالحها.


لقد دخل البحر الأحمر مرحلة جديدة؛ مرحلة لا تُقرأ فيها التحركات فقط من زاوية الخصومات الإقليمية، بل من زاوية المصالح الدولية المتشابكة. والحكمة تقتضي إدراك هذه الحقيقة قبل أن يتحول التصعيد من أداة ضغط إلى عبء لا يستطيع أحد تحمل نتائجه.


فاليمن، بأرضه وبحره وإنسانه، لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات والقرصنة والعمليات الإرهابية التي تتجاوز حساباتها حدود الداخل، بينما يدفع ثمنها المواطن قبل الجميع.