لم يجتمعا في قاعة تحرير، ولا على مائدة نقاش صحفي، ولا في مناسبة لتكريم من أفنوا أعمارهم في خدمة الكلمة.
التقيا هذه المرة في مقهى متواضع بميدان الدقي في القاهرة.
وثالثهما... المرض.
الزميلان نجيب صديق وعبدالرؤوف هزاع، وهما من أعمدة صحيفة 14 أكتوبر، جلسا متقابلين، يحمل كل منهما جسدًا أنهكته السنون، وملفًا طبيًا أثقل من حقيبة الصحفي التي طالما حملها وهو يركض خلف الخبر.
لم يكن بينهما ما يستحق المجاملة. كان الحديث صادقًا حد الوجع.
استعادا سنوات العمر التي ذابت بين رائحة الورق، وصخب المطابع، وسهر الليالي، ومطاردة الحقيقة، بينما كانت الأيام تقتطع من صحتهما قطعةً بعد أخرى، حتى انتهى بهما المطاف غريبين عن الوطن، يبحثان في أرضٍ أخرى عن دواء، بعدما عجز وطنهما عن أن يمنحهما أبسط حقوق الوفاء.
يا لها من مفارقة مؤلمة...
رجلان كتبا عن آلام الناس لعقود، ولم يجدا من يكتب عن أوجاعهما إلا بعد أن رسم المرض ملامحه على وجهيهما.
كم هو قاسٍ أن يصبح الصحفي، الذي صنع ذاكرة وطن بأكمله، مجرد رقم في قائمة المنسيين.
وكم هو جارح أن يكتشف الإنسان، في خريف عمره، أن المؤسسة التي منحها شبابه، والوطن الذي حمل قضاياه، لم يحتفظا له إلا بالصمت.
لقد كانا من أولئك الذين لم يبحثوا عن الثراء، ولم يطرقوا أبواب السلطة طلبًا للمناصب، ولم يبيعوا أقلامهم في أسواق المصالح. اكتفيا بأن يكونا صحفيين شرفاء... يدفعان من أعصابهما وصحتهما ثمن كل كلمة يكتبانها.
لكن الكلمة الحرة، في بلادنا، كثيرًا ما تكافأ بالنسيان.
اليوم، لا يحتاج نجيب صديق ولا عبدالرؤوف هزاع إلى قصائد مديح، ولا إلى دروع تذكارية، ولا إلى كلمات رثاء مؤجلة.
إنهما يحتاجان إلى ما هو أبسط من ذلك بكثير...
أن يشعر كل واحد منهما أن العمر الذي أنفقه في محراب الصحافة لم يكن بلا قيمة، وأن هناك وطنًا ما يزال يتذكر أبناءه قبل أن يودعهم.
ليس أكثر قسوةً من أن يغادر الصحفي بلده باحثًا عن سرير علاج، بعدما قضى عمره كله يبني بالكلمة وعي الناس، ويدافع عن قضاياهم، ويكتب أفراحهم وأحزانهم.
إن مأساة نجيب وعبدالرؤوف ليست قصة شخصين، بل مرآة لوطنٍ أتقن استهلاك رجاله، ولم يتعلم كيف يحفظ لهم كرامتهم عندما يشيخون.
سيعود الخبر غدًا إلى الصحف، وستتبدل العناوين، وسيطوي النسيان قصصًا كثيرة...
لكن سيبقى ذلك المشهد في مقهى الدقي شاهدًا مؤلمًا على زمنٍ ترك رجلين من أنبل فرسان الكلمة يتقاسمان وجع المرض، بينما الوطن الذي كتبا له طويلًا... لم يجد وقتًا ليسأل عنهما.
نسأل الله أن يلبسهما ثوب الصحة والعافية، وأن يعيدا إلى عدن ابتسامتيهما قبل حقائبهما، سالمين غانمين.
ولعلنا، ونحن ندعو لهما، نتعلم درسًا متأخرًا:
إن الأوطان التي لا تكرم أصحاب الأقلام وهم أحياء، لا يحق لها أن تبكيهم بعد الرحيل.
الخميس الموافق 23 يوليو 2026