٢٣ يوليو... عندما يعود السؤال ويستنهض الرجال من القاهرة إلى الرياض... معركة الجمهورية اليمنية تبحث عن قرار العروبة

قبل ساعة


د.علي العسلي
بقلم: د.علي العسلي
ارشيف الكاتب

في الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو المجيدة، نتوجه بالتهنئة لمصر، قيادةً وشعباً، ولكل الشعوب التي استلهمت من مبادئها قيم الحرية؛ ففي مثل هذه الأيام، لا تعود الذكرى مجرد محطة عابرة، بل غصة حارقة في حلق أمة تُستباح بعض ساحاتها، وتتطلع فيها الأعين إلى السماء بحثاً عن قمة سامقة خسرناها، وعن كاريزما استثنائية للزعيم الخالد جمال عبد الناصر، الذي كان نبض أمة ورمزاً للتحرر واستقلال القرار.


يقف الوعي العربي اليوم مذهولاً أمام "فقدان القمة" وغياب ذلك العنفوان القومي الذي كان يهز عروش الاستعمار بكلمة واحدة، وهو ما يفرض على قادة اليوم أن يستذكروا جيداً سر هذا الحب الجارف الذي تكنّه الجماهير لعبد الناصر حتى اليوم؛ فهو استفتاء حي على الكرامة، ونداء يستنهض هممهم ليعيدوا للأمة هيبتها ويدافعوا عن مصالحها، فالشعوب لا تخلّد من يملكون أدوات العصر، بل من يملكون قلوب الفرسان وطُهر الهوية.


إن السؤال اليوم ليس سفسطائياً حول عودة الأشخاص، فالتاريخ لا يعيد الرجال، لكن الإشكالية تكمن في أن الأمة باتت تبحث عن "الروح" والنخوة التي غادرت مع عبد الناصر. وما أحوجنا اليوم إلى قادة يستلهمون من يوليو وقائدها معنى السيادة الحقيقية وحماية القرار الوطني في زمن تغيرت فيه طبيعة الصراع وأدواته، ولم تعد فيه قوة الأمم تُقاس بحجم الجيوش والسلاح التقليدي وحده.


أصبحت المعركة اليوم معركة علم، واقتصاد، وتكنولوجيا، وأمن سيبراني ومؤسسات، وقدرة على صناعة المستقبل؛ وإننا نناشد اليوم من يمتلكون التكنولوجيا ووسائل التواصل والمال، أن يمتلكوا معها البوصلة المبدئية والإيمان الحقيقي بالعروبة كمنظومة أمن قومي واحد لا يقبل التجزئة أو المساومة، ليعيدوا للأمة هيبتها ويدافعوا عن كرامتها ومصالحها الحيوية.


ومن رحم هذا الفقدان للزعيم الخالد في الذكرى الرابعة والسبعين لثورة 23 يوليو، تبرز العلاقة المصيرية بين يوليو المصرية وسبتمبر اليمنية كأعظم تجسيد للمسؤولية القومية؛ فنجدة مصر لليمن كانت معركة وجود خاضها ناصر تثبيتاً للجمهورية، فاختلط الدمان على جبال اليمن دفاعاً عن فكرة الدولة التي هي بأمس الحاجة إليها اليوم، بخاصة وقد اتفقت مصر العروبة مع مملكة القرار العربي (السعودية) لحماية هذا الشأن المصيري.


لكن المؤلم والمرير اليوم، أن يُترك الإنسان اليمني يتألم تحت رحمة ميليشيات طائفية تحاول إعادة إنتاج الحكم الكهنوتي بدعم إيراني، ويرى قراره الوطني يُربط بعواصم غريبة عن الهوية العربية، رغماً عن وجود دولتين كبيرتين بوزن تاريخي وعالمي. إن هذا العبث يهدد الدولة الوطنية ويضرب مباشرة شريان الملاحة وقناة السويس، المنجز الاستراتيجي المعمد بالسيادة ودماء الأحرار.


ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة لأن تنتقل مصر والمملكة من مربع "إدارة الأزمة اليمنية" إلى "صناعة التاريخ" للحفاظ على الجمهورية والسيادة؛ فالمعركة في اليمن اليوم ليست بين أطراف سياسية فحسب، بل بين فكرة الجمهورية والدولة القائمة على الشعب والمؤسسات، وفكرة تسعى لإعادة إنتاج الامتياز السلالي والولاء لخارج الحدود، مما يجعل استعادة اليمن استعادة حقيقية لفكرة الدولة نفسها.


لذا نكرر النداء بقلب مكلوم إلى مصر العروبة، قلب الأمة النابض وصاحبة الإرث العظيم، بأن اليمن في خطر، وأن أمن البحر الأحمر وقناة السويس في عين العاصفة؛ فلا يمكن لمصر الحاضر أن تكتفي بدور المراقب، فوفاؤها لتاريخها، وأهداف ثورة يوليو، ومصالحها الحالية يفرض تجديد روح المبادرة القومية وتطبيقها بمعطيات اليوم الحاضر.


تقتضي مسؤولية اللحظة حضوراً مصرياً فاعلاً وقائداً، بالتنسيق العميق مع أشقائها وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، ضمن جهد عربي مشترك يحفظ لليمن دولته وسيادته. لقد علمتنا يوليو أن استقلال القرار لا يُمنح بل يُنتزع، لتؤكد الأيام أن دماء الأمس تخوض معركة الجمهورية اليوم. ورحم الله الزعيم جمال عبد الناصر الذي علمنا كيف نرفع رؤوسنا، ونسأل الله أن يوفق زعماء حاضرنا ليحافظوا على تلك القمة التي ورثناها وألا تضيع.