أوطان بلا قرار صراع النفوذ الذي جعل الشرق الأوسط رهينة للمصالح؟

قبل ساعة


زكريا نمر
بقلم: زكريا نمر
ارشيف الكاتب

في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لم تعد أزمة الدولة مرتبطة فقط بالفقر أو الصراعات الداخلية أو ضعف المؤسسات، بل أصبحت مرتبطة أيضا بتحول العديد من الدول إلى ساحات مفتوحة أمام صراع القوى الإقليمية والدولية. فالدول التي كان يفترض أن تكون حامية لسيادة بعضها البعض أصبحت في كثير من الأحيان طرفا في إضعاف بعضها، بينما وجدت القوى الكبرى فرصة لإدارة الفوضى بدل إنهائها.


المشهد العربي اليوم يكشف تناقضا كبيرا: الجميع يتحدث عن حماية الأمن القومي، لكن كثيرا من التحركات السياسية تؤدي عمليا إلى إضعاف دول عربية أخرى. الجميع يرفع شعار الاستقرار، لكن الأدوات المستخدمة أحيانا تنتج مزيدا من الانقسام والحروب. وبين الشعارات والمصالح تضيع الدولة، ويبقى المواطن هو الخاسر الأكبر.المشكلة ليست فقط في التدخل الخارجي، بل في نشوء عقلية سياسية تعتبر الدول الأخرى مجرد امتداد لمصالحها، وليس كيانات مستقلة لها حق اختيار نظامها وتحالفاتها. كان الخطاب العربي لعقود يتحدث عن الوحدة والتضامن، لكن الواقع السياسي كشف أن العلاقات بين الدول العربية غالبا ما تحكمها حسابات القوة والخوف والمنافسة. فبدلا من بناء نظام إقليمي يحمي استقلال الدول، ظهرت مشاريع نفوذ تسعى إلى التحكم في القرار السياسي للدول الأضعف.في اليمن، لم تعد الأزمة مجرد خلاف داخلي بين أطراف يمنية، بل أصبحت انعكاسا لصراع إقليمي أوسع بين السعودية وإيران. تحولت البلاد إلى ساحة مواجهة، بينما تراجع صوت الشعب اليمني وسط حسابات القوى المتنافسة.وفي سوريا، تحولت الدولة إلى ميدان مفتوح لتقاطع مصالح دول عديدة. إيران وروسيا دعمتا الحكومة السورية، بينما دعمت دول أخرى أطرافا مختلفة في الصراع، إضافة إلى التدخل الأمريكي والتركي. والنتيجة كانت سنوات من الحرب والدمار وانهيار جزء كبير من البنية الاجتماعية والاقتصادية.أما ليبيا، فقد أصبحت نموذجا واضحا لكيف يمكن أن تتحول الدولة بعد سقوط النظام إلى ساحة تنافس بين قوى إقليمية ودولية. فبدلا من مساعدة الليبيين على بناء مؤسسات وطنية، دخلت أطراف متعددة لدعم قوى مختلفة، مما عمق الانقسام وأطال الأزمة.


دول الخليج أيضا أصبحت جزءا من معادلة النفوذ الإقليمي. فالسعودية والإمارات وقطر أصبحت لاعبين مؤثرين في ملفات عديدة، لكن اختلاف رؤيتها السياسية خلق منافسة انعكست على ملفات المنطقة.السعودية تنظر إلى المنطقة من زاوية مواجهة النفوذ الإيراني وحماية أمنها الاستراتيجي، بينما تبنت الإمارات سياسة خارجية نشطة تقوم على بناء تحالفات وتأثير سياسي واقتصادي في مناطق مختلفة. أما قطر فقد اعتمدت على أدوات مختلفة مثل الدبلوماسية والإعلام والعلاقات السياسية لتعزيز حضورها الإقليمي.لكن السؤال الحقيقي هو: هل أدت هذه المنافسة إلى بناء نظام عربي أكثر استقرارا، أم أنها ساهمت في زيادة الانقسامات وتحويل الدول الضعيفة إلى ساحات صراع إيران وتركيا أيضا لم تكتفيا بإدارة مصالحهما داخل حدودهما، بل سعتا إلى بناء أدوار إقليمية واسعة. إيران استفادت من انهيار بعض الدول العربية والصراعات الداخلية لتوسيع نفوذها عبر حلفاء وقوى سياسية وعسكرية في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وقد نجحت في بناء شبكة تأثير واسعة، لكنها في الوقت نفسه ساهمت في زيادة الاستقطاب السياسي والطائفي في المنطقة.أما تركيا، فقد أعادت خلال السنوات الماضية تعريف دورها الإقليمي من خلال تدخلات سياسية وعسكرية في سوريا والعراق وليبيا، مستندة إلى قوتها العسكرية وموقعها الجغرافي. وترى أنقرة أن هذه التحركات مرتبطة بأمنها ومصالحها، بينما يرى منتقدوها أنها محاولة لتوسيع النفوذ على حساب استقلال الدول الأخرى.ولا يمكن تجاهل الدور الغربي في المنطقة. فالولايات المتحدة والدول الأوروبية لعبت أدوارا حاسمة في تشكيل النظام السياسي والأمني للشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لكن التجربة أثبتت أن القوى الغربية غالبا ما تتحرك وفق مصالحها الاستراتيجية قبل أي اعتبار آخر.


فالديمقراطية وحقوق الإنسان تكون أحيانا أولوية في الخطاب السياسي، لكنها تتراجع عندما تتعارض مع المصالح الأمنية والاقتصادية. والحرب على العراق عام 2003 كانت مثالا واضحا على تدخل أدى إلى انهيار مؤسسات الدولة وفتح الباب أمام صراعات طويلة.لكن تحميل الخارج وحده مسؤولية أزمات المنطقة يمثل هروبا من مواجهة أزمة داخلية عميقة. فالدول التي تعاني من ضعف المؤسسات وانتشار الفساد وغياب المشاركة السياسية تصبح أكثر عرضة للتدخلات الخارجية.إن معالجة أزمات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا تبدأ فقط بإيقاف التدخلات الخارجية، بل تبدأ بإعادة بناء الدولة من الداخل. فلا يمكن لأي دولة أن تحمي استقلالها وهي تعاني من مؤسسات ضعيفة أو اقتصاد منهار أو انقسامات اجتماعية تستخدمها القوى السياسية لتحقيق مصالحها.الحل الأول هو بناء دولة المواطنة، حيث يكون الانتماء للدولة فوق القبيلة والطائفة والحزب. فكلما كانت الدولة عادلة وقوية، قل تأثير القوى الخارجية عليها.والحل الثاني هو إصلاح النظام السياسي عبر توسيع المشاركة الشعبية، وضمان تداول السلطة، وبناء مؤسسات رقابية مستقلة قادرة على محاربة الفساد. فغياب الديمقراطية لا يؤدي فقط إلى أزمة داخلية، بل يفتح الباب أمام صراعات على السلطة تستغلها القوى الخارجية.والحل الثالث هو إنشاء نظام إقليمي جديد يقوم على احترام سيادة الدول وعدم استخدام الحروب بالوكالة. فالمنطقة تحتاج إلى حوار حقيقي بين دولها يقوم على المصالح المشتركة، وليس على سياسة المحاور والصراع المستمر.كما أن التنمية الاقتصادية يجب أن تكون جزءا أساسيا من معالجة الأزمات، لأن الفقر والبطالة وانهيار الخدمات تجعل المجتمعات أكثر قابلية للتطرف والانقسام والتدخل الخارجي. فالدولة التي توفر فرص العمل والتعليم والعدالة الاجتماعية تكون أكثر قدرة على حماية استقرارها.المجتمع الدولي أيضا يتحمل مسؤولية في تغيير طريقة تعامله مع المنطقة. فبدلا من دعم حلول مؤقتة تحافظ على توازنات سياسية تخدم المصالح الخارجية، يجب دعم بناء المؤسسات الوطنية وحل النزاعات عبر الحوار السياسي.


إن المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من صراعات النفوذ، بل تحتاج إلى مشروع تاريخي يعيد الاعتبار للدولة وللإنسان. فالقوة الحقيقية ليست في القدرة على التحكم في دول أخرى، بل في بناء دول مستقرة قادرة على التعاون مع جيرانها.فإن أخطر ما يحدث في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ليس وجود خلافات بين الدول، بل تحول هذه الخلافات إلى بديل عن بناء الدولة. وعندما يصبح النفوذ أهم من الإنسان، تتحول الأوطان إلى أوراق في لعبة سياسية، بينما يبقى المواطن هو من يدفع الثمن.


#زكريا_نمر