لم تكن مأساة اليمن خلال العقود الماضية مجرد
حروب أو أزمات سياسية واقتصادية بل كانت أيضًا أزمة في الوعي المجتمعي نتيجة تراكم خطاب صنع الكراهية وأعاد تعريف اليمنيين وفق انتماءاتهم السياسية والمناطقية والمذهبية حتى أصبح أبناء الوطن الواحد ينظر بعضهم إلى بعض كخصوم بدلًا من شركاء في وطن واحد.
مشاريع وأفكار إلى حالة من التخوين والإقصاء فأصبح المواطن يُختزل في تصنيف:
إصلاحي أو مؤتمري.
اشتراكي أو ناصري.
إخواني أو سلفي.
وحدوي أو انفصالي.
ولم تعد هذه مجرد خياراتإن أخطر ما خسره اليمنيون ليس فقط الأرض أو الاقتصاد أو مؤسسات الدولة بل الثقة المتبادلة بينهم، فحين يُزرع الشك والكراهية بين أفراد المجتمع يصبح تفكك الدولة نتيجة طبيعية.
على مدى سنوات طويلة انتقلت الخلافات السياسية من كونها اختلافًا طبيعيًا بين
سياسية بل تحولت لدى البعض إلى أحكام مسبقة تحدد علاقة الإنسان بالآخر.
ومن الانقسام السياسي إلى التشرذم المجتمعي لم يتوقف خطاب الكراهية عند حدود السياسة بل امتد إلى الهوية الاجتماعية والمناطقية فأصبح البعض يعرف اليمني بمنطق من أين أنت؟ قبل أن يسأل من أنت؟ فتحولت المسميات المناطقية والاجتماعية من تنوع طبيعي يمثل ثراء اليمن إلى أدوات للتنابز والإقصاء مع أن تاريخ اليمن قائم على التداخل بين أبنائه عبر التجارة والتعليم والمصاهرة والعمل والخدمة العسكرية، وكانت الهوية اليمنية دائمًا أوسع من كل الانتماءات الضيقة.
فاليوم الخاسر الحقيقي من خطاب الكراهية المواطن اليمني هو الخاسر الأكبر فبينما انشغل الناس بالصراع حول الهوية والانتماء تراجعت القضايا الحقيقية:
بناء الدولة.
إصلاح التعليم.
تحسين الاقتصاد.
مكافحة الفساد.
تطوير القضاء.
حماية المال العام.
وأصبح المجتمع منشغلًا بالبحث عن خصم داخلي بدل البحث عن أسباب أزماته الحقيقية.
السؤال الذي يجب ان يضع من المستفيد من استمرار الانقسام؟ فالمجتمع المتماسك يصعب التحكم به واستغلاله بينما المجتمع المنقسم يصبح أكثر قابلية للصراع والاستقطاب ولهذا فإن استمرار خطاب التخوين والكراه
ية يخدم كل من يستفيد من غياب الدولة وضعف المؤسسات وتحويل المجتمع إلى جماعات متصارعة بدل مواطنين متساوين.
لا يمكن بناء مستقبل واستعادة اليمن إلا عبر مشروع وطني يقوم على مواجهة خطاب الكراهية والتحريض وذلك بترسيخ المواطنة المتساوية ورفض الإقصاء.
تحويل الاختلاف السياسي إلى تنافس ديمقراطي لا إلى عداء.
إحياء القواسم المشتركة بين اليمنيين.
بناء جيش وطني وأجهزة أمنية مهنية ولاؤها للدولة وحدها.
إنهاء ظاهرة السلاح خارج مؤسسات الدولة.
تحقيق العدالة وسيادة القانون والمصالحة الوطنية.
والسؤال الذي يجب أن يحكم المرحلة آن الأوان أن نغادر سؤال من أي حزب أنت؟ ومن أي منطقة أنت؟ إلى سؤال أكثر أهمية ماذا قدمت لليمن؟ فاليمن لن يبنيه حزب واحد ولن تنقذه منطقة واحدة ولن تحميه جماعة واحدة فالأوطان لا تُبنى بالكراهية ولا تُحمى بالتخوين وإنما تنهض بالعدل والعلم والحوار واحترام الإنسان.