بن فدغم... أزمة الدولة والقبيلة في اليمن

قبل ساعة


مصطفى ناجي الجبزي
بقلم: مصطفى ناجي الجبزي
ارشيف الكاتب


تشتعل منطقة شرق محافظة الجوف اليمنية حاليًا على وقع حدث قبلي لافت، يتمثل في تحرك الشيخ القبلي بن فدغم الحزمي (وهو شيخ مفوه سبق وأن كان في صف الحكومة ثم غادرها بشبهة تواطؤ وأنظم إلى صف الجماعة الحوثي انطلاقاً من حس براغماتي بعد تبدل مناطق السيطرة) على خلفية تدخله في قضية امرأة تزعم أنها ابنة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين. وتقول الرواية المتداولة إنها كانت تقيم في اليمن، ولها منزل انتُزع منها على يد تاجر السلاح المعروف فارس مناع، فلجأت إلى القبيلة طلبًا للحماية.


إنها حادثة غريبة وغير مسبوقة في السياق اليمني، إذ تتشابك فيها الاعتبارات القبلية مع الحسابات السياسية، وتلامس ملفات شديدة الحساسية في ظل سلطة الحوثيين.


تتطور القضية بصورة درامية، حتى بدا وكأن كل من يقترب من هذا الملف تطاله "لعنة" ما، بدءًا من الرجل الذي يُزعم أنه والد المرأة، وصولًا إلى تدخل الآلة الإعلامية الحوثية بكامل قوتها لترجيح الرواية الرسمية.


وآخر التطورات تمثلت في خروج الشيخ القبلي فذغم الحزمي من الاحتجاز لدى الحوثيين، وانتقاله إلى مناطق سيطرة الحكومة في شرق الجوف، حيث بدأ يدعو القبائل إلى النفير لنصرة المرأة، كما استنجد بها أيضًا لإنقاذه شخصيًا مما وصفه بالخديعة التي تعرض لها. كما أعلن عدد من أبناء القبائل اعتراض شاحنات النقل في إطار التصعيد القبلي.


لن أخوض أكثر في تفاصيل الحادثة، وأكتفي بهذا القدر بوصفه مدخلًا لتحليل أبعادها.


أولًا:

منذ بدايتها وحتى نهايتها، تنتمي هذه القصة إلى عالم موازٍ من الانشغالات التي جرّ الحوثيون اليمنيين إليها في لحظة انتشار غير مسبوق للفقر والجوع وتردي الأحوال بين أوساط اليمنين في مناطق الجماعة الحوثية مع ارتفاع خطاب التحشيد العسكري الحوثي وانجاز تجارب سلاح صاروخي. فهي قضية لا تمثل أولوية يمنية بقدر ما تعكس صراعات واهتمامات خارجية، تتصل بإيران وبعض الأوساط العراقية الساعية إلى تتبع أي أثر يرتبط بصدام حسين. ومن هذا المنطلق يتحرك الحوثيون، فلا يجيرون من أجاره نظام صالح.


ثانيًا:

تكشف هذه القصة طبيعة العلاقة التي أصبحت تربط القبيلة، وبالأخص زعاماتها، بالبنية السلطوية التي أنشأها الحوثيون في مناطق سيطرتهم.


لقد تراجعت مكانة القبيلة، وربما كان ذلك مطلبًا لبعض التيارات الراديكالية التي طالبت بتجاوز البنى التقليدية، لكن الذي لم ينشأ في المقابل هو دولة القانون والمواطنة المتساوية. بل قامت سلطة جماعة هرمية معقدة، يتربع على قمتها قائد يُمنح قداسة دينية وسياسية، الأمر الذي أطاح بكثير من التراكمات الحقوقية والمدنية التي تشكلت خلال العهد الجمهوري.


لقد أذل الحوثيون القبيلة وزعاماتها، وحولوها إلى أدوات تُستخدم لخدمة مشروع أيديولوجي يقوم على تقديس السلالة.

اقتصار نفوذ الجماعة الحوثية على ما بيدها الان جعلها تتخصص في تفكيك هامش نفوذ القبلية. وهذه التجربة قابلة للتمدد في قادم الأيام إذا غلبت الجماعة الحوثية. بنتها الأمنية القمعية أكبر من الهامش الجغرافي والقيمي للقبيلة.


ثالثًا:

أصبحت اليمن ساحة لصراعات تتجاوز حدودها الوطنية، وميدانًا لتصفية حسابات إقليمية، سواء من المنظور السياسي الإيراني أو من المنطلقات المذهبية الشيعية. لم تعد اليمن ملاذًا لأحد، بل تحولت إلى محطة أخيرة لتصفية صراعات لا تخص اليمنيين في جوهرها.


رابعًا:

تمر القبيلة اليوم بأضعف مراحلها وأسوأ أحوالها، ولذلك فإن التعويل عليها لإحداث تغيير جوهري يبدو رهانًا غير واقعي. القبيلة تنتظر النجدة التي تأخرت وقد لا تأتي. القبيلة ليست كتلة صماء ولا فاعلا مستقلا. هي خليط من كل شيء وقد عبرتها الايديولوجيات والتوجهات وتشظت وضعفت.


خامسًا:

ما تزال زعامات القبيلة تتحرك ضمن وعي ما دون الدولة، وتحكمها اعتبارات الشرف القبلي أكثر مما تحكمها اعتبارات الدولة الوطنية. ولذلك يصعب التعويل عليها لحمل مشروع وطني جامع.

خطابها المناهض لطغيان الجماعة الحوثية لا يشكل جسراً سياسياً أو ايديولوجيا عابرة لكل قطاعات المجتمع ولا ينفع لتعبئة وطنية. القبيلة بهذا الشكل تعزل نفسها وتفتح الباب أمام الاستغلال المميت.


ويؤكد ذلك أن الشيخ بن فدغم، بعد وصوله إلى مناطق سيطرة الحكومة، لم يتحرك بخطاب سياسي أو وطني، وإنما تحرك بمنطق قبلي، وصل إلى حد الدعوة إلى قطع الطرق واعتراض شاحنات النقل، وهو ما يمثل مساسًا بهيبة الدولة وسيادتها الأمنية في المناطق الخاضعة للحكومة.


ينبغي على السلطات في مأرب أن تتعامل مع هذا التصرف بحذر شديد وترفضه من حيث المبدأ وتعمل على بسط نفوذها على مناطقها.


د. مصطفى ناجي