السعودية والقضية الجنوبية: لماذا يُستهدف المشروع الجنوبي؟

قبل ساعة


صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص
ارشيف الكاتب

لم تعد القضية الجنوبية مجرد ملف سياسي ضمن الأزمة اليمنية، بل أصبحت عنوانًا لصراع أعمق بين إرادة شعب يسعى لاستعادة دولته وهويته، وبين قوى إقليمية ودولية ترى في قيام دولة جنوبية مستقلة تهديدًا لمصالحها وحساباتها الاستراتيجية.

وعلى مدى السنوات الماضية، بدا واضحًا أن المملكة العربية السعودية لا تنظر إلى الجنوب العربي باعتباره شريكًا يمتلك حقه في تقرير مصيره، بل باعتباره ساحة نفوذ يجب أن تبقى خاضعة لمعادلات إقليمية محددة. ولهذا، فإن كل خطوة يحققها الجنوبيون نحو تعزيز حضورهم السياسي أو العسكري تقابلها محاولات مضادة لإبطاء هذا المسار أو إفراغه من مضمونه.

أن الرياض لم تكتفِ بموقف المتفرج تجاه مشروع استعادة الدولة الجنوبية، بل انخرطت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في سياسات هدفت إلى منع تحوله إلى واقع سياسي قائم. فبالنسبة لهم، لم يكن الهدف دعم الاستقرار بقدر ما كان الحفاظ على ترتيبات سياسية تضمن بقاء الجنوب ضمن دائرة النفوذ التقليدية.

وفي قلب هذه المعادلة يقف المجلس الانتقالي الجنوبي، باعتباره القوة السياسية الأكثر حضورًا وتأثيرًا في الشارع الجنوبي، بينما يمثل الرئيس عيدروس الزبيدي الرمز السياسي الأبرز لمشروع استعادة الدولة الجنوبية. ولذلك لم يكن مستغربًا أن يتعرض المجلس ورئيسه لحملات استهداف سياسية وإعلامية متواصلة، لأن استهداف القيادة في مثل هذه الحالات هو استهداف للمشروع الذي تمثله.

إن خصوم القضية الجنوبية يدركون أن المجلس الانتقالي لم يعد مجرد مكون سياسي عابر، بل أصبح عنوانًا لتطلعات أبناء الجنوب. كما يدركون أن أي تقدم يحققه هذا المشروع يقرب الجنوب خطوة إضافية من تحقيق أهدافه الوطنية، وهو ما يفسر حجم الضغوط والمحاولات الرامية إلى إضعافه أو تقليص دوره.

ومن هذا المنطلق، يرى أنصار المشروع الجنوبي أن أي إجراءات تستهدف الرئيس عيدروس الزبيدي أو المجلس الانتقالي الجنوبي لا يمكن فصلها عن الصراع الدائر حول مستقبل الجنوب. فالقضية، في نظرهم، ليست قضية أشخاص أو مناصب، بل قضية مشروع سياسي يسعى إلى استعادة الدولة الجنوبية وعاصمتها عدن، ضمن حدود ما قبل عام 1990.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن كثيرًا من القوى والكيانات التي راهنت على إقصاء الجنوب أو تجاوز إرادة شعبه قد تراجعت أو اختفت من المشهد، بينما ظل المشروع الجنوبي حاضرًا ومتماسكًا رغم كل التحديات. وهذا ما يجعل المجلس الانتقالي، بالنسبة لأنصاره، الرقم الأصعب في أي معادلة سياسية تتعلق بمستقبل الجنوب.

وفي تقديري، فإن جوهر الصراع اليوم لا يتعلق بالمناصب أو الترتيبات المؤقتة، بل بمستقبل شعب يسعى إلى استعادة قراره السياسي والسيادي. ولهذا فإن محاولات تعطيل المشروع الجنوبي قد تؤخر بعض المراحل، لكنها لن تنهي القضية ذاتها، لأن القضايا الوطنية الكبرى لا تُقاس بعمر الأزمات ولا بتغير موازين القوى المؤقتة.

وفي النهاية، يبقى الجنوب بالنسبة لأبنائه قضية هوية وحق ومصير. ومهما تعددت الضغوط أو تبدلت التحالفات، فإن الشعوب التي تؤمن بقضيتها وتتمسك بحقوقها تظل قادرة على مواصلة الطريق حتى تحقيق أهدافها. ولذلك فإن مستقبل الجنوب، لن تحدده رغبات القوى الخارجية، بل إرادة شعبه وإصراره على رسم مستقبله بنفسه.


الصحفي صالح حقروص

2026/6/27م