أقلام في خدمة تلميع الأحذية

قبل ساعة


علي محمد سيقلي
بقلم: علي محمد سيقلي
ارشيف الكاتب

ليس أقسى على الصحفي من خصومه، بل من زملائه الذين قرروا ذات يوم أن يبدلوا ريشة القلم بفرشاة تلميع الأحذية.

فالخصم الطبيعي للصحافة هو المال، والكذب، واستغلال النفوذ، أما حين تصبح الصحافة نفسها جزءاً من هذه المنظومة، فإن الجرح يصبح أعمق من أن يُداوى بمقال، وأكبر من أن يُختصر في رد أو تعليق.

هناك حزن خاص لا يفهمه إلا الذين دخلوا هذه المهنة وهم يظنون أن الكلمة موقف، وأن القلم أمانة، وأن الصحفي شاهد على العصر لا موظف علاقات عامة لدى أصحاب النفوذ.

ذلك الحزن الذي يتسلل إلى القلب عندما ترى صحيفة كاملة وقد تخلت عن دورها في مساءلة المسؤولين، لتنشغل بتلميع أحذيتهم. صحيفة لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عن رضا أصحاب الكراسي. لا تنقل الخبر كما هو، بل كما يريدونه أن يكون.

وحين تصل الأمور إلى هذا الحد، لا يعود السؤال: ماذا كتبت الصحيفة؟ بل ماذا بقي من الصحافة فيها؟

والأشد إيلاماً من ذلك أن ترى صحفياً كان الناس ينتظرون مقاله، فإذا بهم ينتظرون البيان الذي سيكتبه نيابة عن الآخرين. صحفياً كان يُفترض أن يطارد الحقيقة، فإذا بالحقيقة هي التي تطارده وتسأله: أين اختفيت؟

ليس سقوط القلم حدثاً مفاجئاً. إنه رحلة طويلة من التنازلات الصغيرة. تنازل بحجة المجاملة، وآخر بحجة المصلحة، وثالث بحجة الضرورة، حتى يجد صاحبه نفسه وقد فقد القدرة على التمييز بين الدفاع عن القناعة والدفاع عن ولي نعمته وصاحب النفوذ.

وعندما يفقد القلم استقامته، لا يحتاج الناس إلى لجنة تحقيق لاكتشاف ذلك. فالكلمات نفسها تفضحه. اللغة المرتبكة، التبريرات المتكررة، الغضب الانتقائي، والعمى الذي لا يصيب إلا تجاه أخطاء الجهة التي يدافع عنها.

في تلك اللحظة لا يكون الحزن على الشخص وحده، بل على المهنة كلها. على سنوات طويلة من النضال الصحفي التي تنتهي أحياناً عند أول إغراء، أو أول منصب، أو أول دعوة إلى مائدة أصحاب القرار.

فالصحفي الحقيقي قد يخطئ، وقد يختلف الناس معه، وقد يخسر معارك كثيرة، لكنه لا يخسر نفسه. أما حين يخسر نفسه، فلن تنفعه كل المقالات التي يكتبها، ولن تستره كل عناوين المديح التي يوزعها هنا وهناك.

ويبقى الفرق واضحاً بين صحيفة تراقب الأحذية التي تدوس على الناس، وصحيفة انشغلت بمسح تلك الأحذية حتى نسيت الناس أنفسهم.

ذلك هو الحزن الحقيقي... حين لا يسقط الصحفي بسبب خصومه، بل حين يسقط بسبب المسافة التي ابتعدها عن ضميره.