الدولة الفيدرالية الجنوبية هي طريق الاستقرار وبناء الدولة

قبل ساعة


أكرم القعيطي
بقلم: أكرم القعيطي
ارشيف الكاتب

من وجهة نظري، إذا كانت هناك إرادة حقيقية لبناء دولة مستقرة وقوية في الجنوب العربي، فإن النموذج الفيدرالي الدستوري ذو المجلس السلطاني الأعلى او ذو المرجعية السلطانية التاريخيه هو أحد أفضل الخيارات القادرة على بناء دولة حديثة تقوم على الشراكة الوطنية والمؤسسات وسيادة القانون.


فالدولة الفيدرالية تعني وجود دولة واحدة ذات سيادة واحدة ودستور واحد ومؤسسات وطنية جامعة، مع منح السلطات المحلية صلاحيات كافية لإدارة شؤونها وخدمة مواطنيها بكفاءة وفاعلية.


وفي هذا الإطار، يمكن أن تكون المظلة الوطنية العليا للجنوب العربي مجلساً للسلاطين والمشايخ من مختلف محافظات الجنوب، بصفته مجلساً اعتبارياً وفخرياً أعلى، يستمد مكانته من التاريخ والإرث الاجتماعي والوطني، ويكون رمزاً لوحدة البلاد اعتبارياً وضامناً للدستور والهوية الوطنية واستمرار الدولة، دون أن يتحول إلى سلطة تنفيذية تنازع الحكومة صلاحياتها أو تتدخل في إدارة شؤون الدولة اليومية.


أما إدارة الدولة الاتحادية فيجب أن تقوم على مبدأ الفصل بين السلطات من خلال ثلاث سلطات رئيسية واضحة المعالم:


أولاً: السلطة التشريعية، ويمثلها البرلمان الاتحادي المنتخب من الشعب، ويتولى سن القوانين ومراقبة أداء الحكومة وتمثيل مختلف فئات المجتمع.


ثانياً: السلطة التنفيذية، وتمثلها حكومة الاتحاد التي تُنتخب بشكل غير مباشر، حيث ينتخب الشعب البرلمان الاتحادي، ثم يُكلَّف الحزب أو التحالف الحائز على الأغلبية بتشكيل الحكومة الاتحادية برئاسة رئيس الوزراء ،وهي المسؤولة عن إدارة الدولة وتسيير أعمالها اليومية والإشراف على الدفاع والسياسة الخارجية والجنسية والعملة وأمن الحدود والملفات السيادية الأخرى.


ثالثاً: السلطة القضائية، وهي سلطة مستقلة بالكامل، تتولى تطبيق القانون والفصل في النزاعات وحماية الحقوق والحريات وضمان احترام الدستور من الجميع دون استثناء،وتُشكَّل السلطة القضائية من قضاة مؤهلين يُعيَّنون وفق الدستور والقانون من خلال مجلس قضائي أعلى مستقل، وتُصادق الدولة على تعيين كبار القضاة وفق الإجراءات الدستورية، مع ضمان استقلال القضاء الكامل عن الحكومة أو البرلمان أو مجلس السلاطين والمشايخ. وبهذا النموذج لا يسيطر أي طرف على القضاء، وهو ما يجعل الدولة أقرب إلى اتحاد فيدرالي دستوري ذي مجلس سلطاني أعلى وليس دولة يحكمها السلاطين مباشرة، فلو أعطيت الحكومة سلطة تعيين القضاة بالكامل فقد تؤثر عليهم سياسياً، وإذا أعطيت مجلس السلاطين سلطة تعيينهم فقد يتحول إلى سلطة تنفيذية أو قضائية وهو مالا يسمح به هذا النموذج المثالي للحكم الفيدرالي.


كما أن قرارات السيادة الوطنية الكبرى، مثل السلم والحرب والعلاقات الدولية والدفاع الوطني، يجب أن تبقى من اختصاص الدولة الاتحادية وحدها، بحيث تصدر وفق الآليات الدستورية المعتمدة وبما يحفظ مصالح الوطن العليا ووحدة قراره السياسي.


ومن المهم أيضاً أن يبقى مجلس السلاطين والمشايخ أو المجلس الأعلى إطاراً وطنياً ضامناً للاستقرار والوحدة، لا أداة تنفيذية لإدارة الحكومة أو التدخل في الصراعات السياسية اليومية. فالدولة الحديثة تقوم على المؤسسات والقانون وتوزيع الاختصاصات، وليس على تداخل السلطات أو ازدواجية القرار.


ففي النموذج الذي نتصوره للجنوب العربي الفيدرالي ، يتأسس من :


•مجلس السلاطين والمشايخ الأعلى: مرجعية وطنية اعتباريه وضامن للدستور ووحدة الدولة.

•البرلمان الاتحادي: سلطة تشريعية.

•الحكومة الاتحادية: سلطة تنفيذية.

•السلطة القضائية: وتشمل المحكمة الدستورية العليا ومجلس القضاء والمحاكم.


وبذلك يبقى عدد السلطات ثلاث سلطات دستورية كما هو متعارف عليه عالمياً.


أما مجلس السلاطين والمشايخ الأعلى فليس سلطة تنفيذية ولا تشريعية ولا قضائية، بل هيئة سيادية دستورية عليا ذات طابع اعتباري ورقابي وضامن لوحدة الدولة والدستور.


وكما أن من أهم مزايا هذا المشروع أنه لا يُقصي أحداً ولا يحتكر السلطة لصالح فئة أو حزب أو منطقة بعينها، بل يفتح المجال أمام مشاركة جميع المكونات الجنوبية في بناء الدولة. ففي ظله يمكن أن يجتمع السلاطين والمشايخ باعتبارهم جزءاً من الإرث التاريخي والاجتماعي للجنوب، كما يمكن أن يشارك فيه السياسيون والأحزاب الوطنية بمختلف توجهاتها، إلى جانب العمال والفلاحين والكادحين وأصحاب المهن ورجال الأعمال والأكاديميين والشباب والمرأة ومنظمات المجتمع المدني.


وبذلك لا تقوم الدولة على هيمنة فئة واحدة، بل على شراكة وطنية واسعة تجمع مختلف فئات المجتمع تحت مظلة الدستور والقانون والمؤسسات، بما يحقق الاستقرار والعدالة والتنمية للجميع.


وفي القضايا المصيرية التي تمس شكل الدولة أو المبادئ الدستورية الأساسية، يمكن النص على أن أي تعديل جوهري لا يتم إلا عبر استفتاء شعبي عام يحقق أغلبية دستورية معززة، بما يضمن أن تكون القرارات الكبرى نابعة من إرادة شعبية واسعة لا من رغبات سياسية مؤقتة.


إن بناء دولة جنوبية فيدرالية ناجحة ليس أمراً مستحيلاً، بل هو مشروع قابل للتطبيق إذا توفرت الإرادة السياسية والرؤية الواضحة. فلدينا تاريخ وهوية وموقع استراتيجي وثروات وإمكانات بشرية قادرة على بناء نموذج ناجح يخدم الجميع ويحفظ حقوق الجميع.


ولهذا يبقى السؤال المشروع: إذا كانت الفيدرالية قادرة على جمع السلاطين والمشايخ والأحزاب السياسية والعمال والفلاحين والكادحين ورجال الأعمال والأكاديميين والشباب والمرأه تحت مظلة دولة واحدة، وإذا كانت قادرة على تحقيق الشراكة والاستقرار وبناء المؤسسات واحترام التنوع، فلماذا لا تتجه الجهود نحو بناء هذا النموذج بصورة جادة؟ ولماذا تستمر الخلافات والصراعات السياسية في استنزاف الطاقات بينما يحتاج الجنوب اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى مشروع دولة حقيقي يجمع أبناءه تحت مظلة واحدة تحفظ السيادة وتحقق العدالة والتنمية والاستقرار؟