.
فـي المنعطفات التاريخية الكبرى، لا -أيـن يقـف ضمـيرنا؟-
تُختبر الأوطان بقدر ما يُختبر أبناؤها؛ فالأوطان، مهما أثقلتها الأزمات وأرهقتها الصراعات، تظل قائمةً بأرضها وتاريخها وهويتها، بينما يبقى السؤال الحقيقي معلقًا على مواقف الناس والنخب والقوى المؤثرة: هـل نحـن مع الوطن حـقًا، أم أننا مع مصالحنا الضيقة التي نلبسها أحيانًا ثوب الوطـنية؟
إن إعـادة بناء الأوطان لا تبدأ من الإسمنت والحديد، ولا من المشاريع والخطط الاقتصادية وحدها، بل تبدأ أولًا من إعادة بناء الوعي الوطني، ومن حسم الموقف بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة.
فـ حـين تتقدم المصالح الشخصية والحسابات الفئوية على حساب الوطن، تتحول الأزمات إلى تجارة، وتصبح المعاناة موردًا للنفوذ، ويتحول الخلا
ف السياسي إلى وسيلة لتعطيل كل فرصة يمكن أن تقود إلى الاستقرار.
لـقد أثبتت تجارب الشعوب أن الدول لا تنهض إلا عندما تدرك قواها السياسية والاجتماعية أن الوطن أكبر من الأحزاب، وأبقى من الأشخاص، وأسمى من المكاسب الآنية.
فـ المواقـف الوطنية الحقيقية لا تُقاس بارتفاع الشعارات، وإنما بحجم التضحيات التي تُقدَّم من أجل المصلحة العامة، وبالقدرة على تقديم التنازلات المتبادلة عندما يكون الوطن هو المستفيد الأول منها.
إن الوطـن اليوم بحاجة إلى وضوح في المواقف أكثر من حاجته إلى كثرة الخطابات؛ هو بحاجة إلى من يحدد موقعه بصدق: هـل يقـف في صف إعادة بناء مؤسسات الدولة، أم في صف إضعافها؟ هل يعمل من أجل تعزيز الاستقرار، أم من أجل استدامة الفوضى؟ هل يبحث عن حلول للأزمات، أم عن استثمارها لتحقيق مكاسب ضيقة؟
وليـس المقصود بالمواقف الوطنية أن يتفق الجميع على رأي واحد أو رؤية واحدة، فالتعدد والاختلاف من طبيعة المجتمعات الحية، لكـن
المقصود أن يكون الوطن هو السقف الجامع الذي لا يُسمح بتجاوزه، وأن تبقى المصلحة الوطنية هي البوصلة التي تهدي الجميع عند اشتداد الخلافات وتضارب المصالح.
إن إعـادة بناء الوطن مسؤولية جماعية لا تحتمل الحياد السلبي ولا الحسابات الأنانية.
فـ كل موقـف يُتخذ اليوم، وكل كلمة تُقال، وكل قرار يُصنع، إما أن يكون لبنة في مشروع البناء، أو معولًا في مشروع الهدم؛ والتاريخ لا يتذكر كثيرًا من ربحوا مصالحهم الخاصة، لكنه يخلد أولئك الذين انتصروا لأوطانهم في أصعب اللحظات.
ولـعل المرحـلة الراهنة تفرض على الجميع مراجعة صادقة للذات، بعيدًا عن الضجيج والمزايدات، وأن يسألوا بجرأة ومسؤولية: ماذا قدّمـنا للوطن؟ وهل كانت مواقفنا منسجمة مع حاجته إلى الاستقرار والتنمية والعدالة، أم أنها كانت انعكاسًا لمصالح آنية سرعـان ما تزول؟
فـ الأوطـان لا تُبنى بالشعارات العابرة، وإنما بالإرادات الصادقة، ولا تنهض بالانتصار للمصالح الضيقة، وإنما بالالتفاف حول مشروع وطني جامع يضع مستقبل الأجيال فوق كل اعتبار.
وعندمـا يصبح الوطن هو الرابح الأ
كبر من قراراتنا ومواقفنا، عندها فقط يمكن أن نقول بثقة: لقد اخترنا الطريق الصحيح نحو إعادة البناء والنهوض.
فـ حـين يختلف الناس حول المصالح، يبقى الوطن هو الحقيقة الوحيدة التي لا ينبغي أن يختلفوا عليها؛ فإما أن نجعله غايةً نتوحد لأجلها، أو نجعله ثمنًا تدفعه الأجيال القادمة مقابل أخطائنا.
د. هـاني بن محمد القاسمي
عـدن: 19. يونيو. 2026م
.