بين الاعتذار عن الحضور والخشية من المساءلة.. كيف تنظر الأنظمة القوية إلى القضاء حين يقترب منها؟

قبل ساعتين


علي محمد سيقلي
بقلم: علي محمد سيقلي
ارشيف الكاتب

في السياسة، لا تُقاس قوة الدول بعدد الطائرات التي تملكها، ولا بحجم استثماراتها، ولا حتى بمكانتها الإقليمية، بل باللحظة التي تجد فيها نفسها وجهاً لوجه أمام قاضٍ مستقل لا يخضع لبروتوكولات المجاملة ولا لحسابات المصالح.

من هنا يكتسب غياب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عن قمة مجموعة السبع في فرنسا أهمية تتجاوز مجرد اعتذار دبلوماسي عن حضور مناسبة دولية. فالسؤال الذي أثارته التطورات الأخيرة ليس لماذا غاب الرجل، بل لماذا تحوّل وجوده المحتمل على الأراضي الفرنسية إلى قضية تستحق كل هذا الجدل؟

حين تنظر الأنظمة السياسية إلى نفسها من الداخل، فإنها غالباً ما ترى شرعيتها مستمدة من القوة والنفوذ والقدرة على إدارة الدولة. لكن القضاء المستقل ينظر إلى الأشخاص بطريقة مختلفة تماماً. فهو لا يرى أميراً ولا وزيراً ولا رئيساً، بل يرى اسماً مرتبطاً بملف قضائي يحتاج إلى إجابات وأدلة وإجراءات.

وهنا تكمن المعضلة الحقيقية.

ففي العالم العربي اعتادت السلطة أن تكون أعلى من المساءلة، وأن تحيط نفسها بطبقات من الحصانة السياسية والأمنية تجعل الاقتراب منها أمراً بالغ الصعوبة. أما في بعض الأنظمة القضائية الغربية، فإن فكرة الحصانة نفسها تصبح موضع اختبار كلما تعلق الأمر بجرائم يصفها القانون بأنها جسيمة أو عابرة للحدود.

لهذا لا يبدو مستغرباً أن يتحول مجرد تعيين قاضٍ للتحقيق في قضية حساسة إلى حدث سياسي بحد ذاته. فالقضية هنا لا تتعلق بحكم صدر أو إدانة ثبتت، وإنما بوجود مؤسسة قضائية تقول ببساطة إنها تريد أن تسأل وأن تحقق وأن تستمع إلى الروايات المختلفة قبل أن تصل إلى استنتاجاتها.

واللافت أن الخوف من القضاء لا يُقرأ دائماً بوصفه إقراراً بالذنب، كما يحاول البعض تصويره. ففي كثير من الأحيان تخشى الشخصيات السياسية مجرد الدخول في معركة قانونية طويلة قد تتحول إلى عبء إعلامي ودبلوماسي، حتى لو كانت واثقة من موقفها. لكن في المقابل، فإن تجنب المثول أمام بيئة قضائية مستقلة يفتح الباب أيضاً أمام أسئلة يصعب إسكاتها.

فإذا كانت البراءة هي الموقف الحقيقي، فلماذا يبدو الاقتراب من منصة العدالة أمراً مقلقاً إلى هذا الحد؟ وإذا كانت الاتهامات بلا أساس، فلماذا يتحول حضور قمة دولية إلى مخاطرة سياسية وقانونية؟

هذه الأسئلة لا يجيب عنها الإعلام ولا الخصوم السياسيون، بل يجيب عنها القضاء وحده.

لقد أثبتت قضية جمال خاشقجي، بغض النظر عن مآلاتها القانونية النهائية، أن بعض الملفات لا تموت بانتهاء الحدث الذي صنعها. فهناك قضايا تتحول إلى ذاكرة قانونية مفتوحة تلاحق أصحاب القرار لسنوات طويلة، وتبقى قادرة على الظهور في أكثر اللحظات حساسية.

وفي النهاية، قد تنجح الدول في تجاوز الأزمات السياسية، وقد تتمكن الحكومات من احتواء العواصف الإعلامية، لكن أكثر ما تخشاه السلطة عادة ليس ضجيج المعارضين، بل هدوء قاعة المحكمة. فهناك، حيث لا يتحدث سوى القانون، تكتشف القوة السياسية أن نفوذها ليس دائماً كافياً لحسم كل المعارك.


الخميس الموافق 18 يونيو 2026م

العاصمة عدن