لم يعد الصمت ممكنا ، ولم تعد أنصاف الحلول تجدي نفعا في زمن تُحاك فيه الدسائس لتركيع الشعوب وسلبها سيادتها . اليوم ، يقف الجنوب العربي أمام مرحلة مفصلية التفت فيها كل خيارات المهادنة ، ليُفتح باب المواجهة الشعبية والسياسية على مصراعيه . وفي هذا السياق ، تأتي الدعوة للاحتشاد الشعبي يوم السبت القادم في العاصمة عدن ، لتمثل هبة جماهيرية كبرى ومليونية تجسد الرفض القاطع لكل أشكال الوصاية والتدخلات الهدامة التي تحاول النيل من هوية الجنوب وقوته .
إن المشهد اليوم يتجاوز مجرد الاحتجاج ؛ إنه رسالة واضحة يوجهها شعب الجنوب للعالم أجمع ، ليرى حجم الرفض الجامع لسياسات الهيمنة والوصاية، وتحديدا التدخلات التي لم تنتج سوى الدمار والإحباط .
تلك السياسات التي قادت المنطقة إلى منزلقات خطيرة ، ورسمت في اليمن بحدود الجمهورية العربية اليمنية ملامح سيطرة إيرانية دموية عبر ذراعها الحوثي ، لتتحول تلك الجغرافيا إلى وكر للمشاريع العائلية والطائفية، وعنوان مخيف للبطش، والقتل، والتصفية الممنهجة على أسس دينية ، وسياسية ، ومناطقية ، وعرقية. بل إن الأخطر من ذلك هو السعي الخبيث لإعادة صياغة وعي الأجيال القادمة على قيم العنف والعداء ، وتسليم السيادة الوطنية لكيانات وقوى إقليمية غاشمة لا تملك سوى مشاريع الإذلال والاستعباد .
وفي المقابل ، نرى التخبط التاريخي لقوى الإقليم وعلى رأسها السعودية التي فشلت في حماية عمقها الاستراتيجي ، وهربت من صنعاء تجر أذيال الهزيمة والخوف ، لتتحول من موقع الفاعل إلى موقع المستجدي لوساطات من إيران والحوثيين. وبدلاً من مراجعة هذه الانكسارات، نراها اليوم توجه سهامها نحو الجنوب الأبي، عبر خطوات تمثل انتهاكاً صارخاً لكرامة شعب يدافع عن أرضه ، ومطاردته سياسياً، وإضعاف قواه العسكرية الحية ، وإغراقه في أزمات مفتعلة من الفقر الممنهج ، وتدمير المنظومة التعليمية، وقطع الرواتب، وتغذية الانفلات الأمني. ولم يتوقف الأمر عند حدود الحصار الاقتصادي والخدمي ، بل امتد لفتح ثغرات أمنية خطيرة عبر غض الطرف عن تغلغل الجماعات الإرهابية، وضخ المواد المخدرة لتدمير طاقات الشباب الجنوبي .
إن الذاكرة الجمعية لشعبنا لن تنسى الاستهداف المباشر لقواتنا المسلحة الجنوبية البطلة، تلك التي واجهت الإرهاب والمشروع الإيراني بمفردها ، لتكافا بضربات جوية غادرة وممنهجة بدأت من حضرموت مطلع عام 2026م وصولاً إلى عدن، في محاولة بائسة لخلخلة الأمن وتسليم المفاصل العسكرية والأمنية الحيوية لقوات وميليشيات تكنّ عداءً عقائدياً وأيديولوجياً دفيناً للجنوب وأرضه وهويته.
أمام هذا المشهد الماساوي، لم يعد الاحتشاد الشعبي ورفض الوصاية ترفا سياسيا ، بل هو خيار حياة في مواجهة مشروع الموت والتركيع. السبت القادم في عدن ليس مجرد موعد في التقويم، بل هو بيان سياسي يكتبه الشعب بدمه وصوته، ليؤكد أن السيادة الوطنية للجنوب العربي ليست محل مساومة، وأن إرادة الشعوب الحرة أقوى بكثير من أسراب الطائرات ومخططات الإذلال. فلتكن عدن كعادتها ساحة للحق، ومنطلقاً لعهد جديد يستعيد فيه الجنوب قراره وسيادته الكاملة