إصدار التعميمات والقرارات الإدارية خطوة مطلوبة لكنها لا تكتسب قيمتها الحقيقية إلا عندما تتحول إلى إجراءات نافذة تطبق على الجميع دون استثناء الدول التي تحترم مؤسساتها لا تقاس قوة الحكومات بعدد القرارات التي تصدرها بل بمدى قدرتها على فرض تنفيذها أما عندما تتحول التعاميم إلى مجرد أوراق تحمل أختاما رسمية وتوقيعات رفيعة بينما تبقى المخالفات قائمة دون مساءلة فإن المشكلة لا تكمن في غياب التشريعات بل في غياب الإرادة الحقيقية لتطبيقها .
إصدار القرارات وحده لا يكفي فكم من توجيهات صدرت بلغة حاسمة وانتهت إلى الإهمال أو الالتفاف عليها بوسائل مختلفة دون أن يحاسب أحد أو يتحمل مسؤولية مخالفتها والأسوأ من ذلك أن غياب المساءلة يبعث برسالة خطيرة مفادها أن النفوذ الشخصي أقوى من مؤسسات الدولة وأن بعض المسؤولين يستطيعون تجاوز الأنظمة دون أي عواقب .
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على التعميم الصادر بشأن منع سفر كبار المسؤولين وشاغلي الوظائف القيادية إلى خارج البلاد إلا بعد الحصول على إذن مسبق من رئيس مجلس الوزراء يمثل من حيث المبدأ خطوة مهمة نحو ضبط الأداء الحكومي وترسيخ الانضباط الإداري لكنه في الوقت ذاته يضع الحكومة أمام اختبار مصيري، هل ستفرض احترام قراراتها أم ستسمح مجددا بالتحايل عليها حتى تصبح مجرد حبر على ورق ؟
لقد أثبتت التجارب السابقة أ
نعاتق رئاسة الحكومة في إصدار التوجيهات فقط بل تمتد إلى المتابعة الدقيقة لآلية تنفيذها والتأكد من التزام جميع الجهات المختصة بها وإعلان نتائج الرقابة بشفافية ومحاسبة أي مسؤول يثبت تجاوزه أو مخالفته دون تمييز أو استثناء أو اعتبارات شخصية .
كما أن الجهات المعنية في المنافذ البرية والبحرية والجوية تتحمل مسؤولية قانونية وأخلاقية في تنفيذ التعليمات النافذة وأي تهاون في هذا الجانب يفرغ القرار من مضمونه ويقوض مبدأ سيادة القانون فالقوانين التي تنفذ على البعض وتستثنى منها فئة أخرى لا تحقق العدالة بل تكرس الازدواجية وتضعف ثقة المجتمع بالدولة .
إن الرأي العام اليوم لا ينتظر المزيد من التعاميم بل ينتظر رؤية مسؤول يخالف الإجراءات ويحاسب وجهة تتجاوز التعليمات وتسأل وآليات رقابة تثبت أن الدولة جادة في فرض النظام على الجميع بلا استثناء فالمعيار الحقيقي لنجاح أي إصلاح إداري ليس عدد القرارات الصادرة وإنما عدد القرارات التي نفذت بالفعل وعدد المخالفين الذين تمت مساءلتهم وفقا للقانون .
وفي النهاية فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو هل يمثل هذا التعميم بداية مرحلة جديدة عنوانها سيادة القانون والمساءلة أم أنه سينضم إلى قائمة طويلة من القرارات التي صدرت بصياغة قوية ثم تراجعت أمام النفوذ والاستثناءات ؟
إن الإجابة لن تأتي من التصريحات ولا من المؤتمرات الصحفية بل من الواقع العملي فإذا نفذت هذه التوجيهات بحزم فستكون خطوة مهمة نحو تعزيز هيبة الدولة واستعادة ثقة المواطنين بمؤسساتها أما إذا جرى التحايل عليها أو التغاضي عن مخالفيها فإن الرسالة ستكون واضحة المشكلة ليست في نقص القوانين بل في غياب الإرادة لتطبيقها وحينها تصبح هيبة الدولة هي أول الخاسرين .