خرج علينا مصدر في رئاسة الجمهورية ليقول إن وثيقة العسل مزورة.
ثم لم يكتفِ بالنفي.
فالمصدر اتهم. والمصدر استنكر. والمصدر أكد. والمصدر دعا. والمصدر حمّل المسؤولية. والمصدر أشار بأصابع الاتهام إلى عناصر من المجلس الانتقالي المنحل.
باختصار، أنجز المصدر في دقائق ما تعجز عنه أحياناً لجان تحقيق كاملة.
لكن المشكلة الوحيدة أن المصدر نسي أن يخبرنا من يكون.
فمنذ متى أصبح الاتهام عملاً سرياً؟
إذا كانت الوثيقة مزورة بالفعل، وإذا كانت الجهة التي زورتها معروفة، وإذا كان المزورون معروفين، وإذا كانت الأدلة متوفرة، فلماذا كل هذا الاختباء خلف ستار "مصدر مسؤول"؟
الغريب أن البيان كان شجاعاً في اتهام الآخرين، لكنه كان خجولاً جداً في التعريف بصاحبه.
فالوثيقة لها صورة. والعسل له اسم. والمتهمون لهم انتماء سياسي.
أما صاحب التصريح نفسه فلا يملك حتى اسماً يقدمه للرأي العام.
وكأننا أمام شاهد رأى الجريمة، ويعرف المجرم، ويعرف مكان وقوعها، ويعرف تفاصيلها كاملة، لكنه يرفض أن يخبرنا من هو.
ثم إن الاتهام ليس أمراً بسيطاً.
حين تقول إن جهة ما زورت وثيقة رسمية، فأنت لا تتحدث عن خطأ مطبعي أو سوء فهم، بل عن جريمة مكتملة الأركان.
والجرائم لا تُبنى عادة على عبارات من نوع "قال مصدر".
الجرائم تحتاج إلى أسماء.
من زور؟
من شارك؟
من وقع؟
من سرب؟
أما أن يخرج علينا مصدر مجهول ليقذف اتهاماً بهذا الحجم ثم يعود إلى مخبئه، فذلك لا يجيب عن الأسئلة، بل يضاعفها.
والأطرف من ذلك أن البيان طالب الناس بتصديق رواية بلا صاحب.
كأن المطلوب من المواطنين أن يثقوا بشخص لا يعرفون اسمه، ويتبنوا اتهاماته، ويقتنعوا بأدلته، ثم يشكروه على حرصه على الحقيقة.
وفي النهاية، لم يعد السؤال متعلقاً بالعسل ولا بالوثيقة.
السؤال الحقيقي هو:
إذا كان المصدر يملك من الجرأة ما يكفي لاتهام الآخرين بتزوير الوثائق، فلماذا لا يملك من الجرأة ما يكفي ليضع اسمه تحت تصريحاته؟
فالتوقيع هو أول دليل على الثقة بالنفس.
أما الاختباء خلف كلمة "مصدر"، فليس دليلاً على قوة الحجة بقدر ما هو اعتراف ضمني بأن صاحبها لا يريد أن يتحمل مسؤولية ما يقول.
في نهاية المطاف، لم نعرف من هو المصدر، ولم نعرف أسماء المزورين، ولم نرَ دليلاً واحداً على الاتهامات المعلنة. كل ما عرفناه يقيناً أن الخبر نُشر في صحيفة عدن الغد، أما البقية فما زالت مجهولة المصدر.