الثلاثاء الموافق 23 يوليو 2026- العاصمة عدن
في العلاقات بين الأمم، لا تصنع القوة وحدها الاحترام، بل يصنعه الاعتراف بحق الشعوب في اختيار طريقها بنفسها.
يقولون إن الصداقة بين الدول تُبنى على المصالح، وهذا صحيح إلى حد بعيد. لكنهم ينسون أن المصالح شيء، والوصاية شيء آخر.
فليس كل من امتلك المال صار أباً، وليس كل من امتلك القوة صار وصياً، وليس كل شعب يختلف معك بحاجة إلى من يرشده إلى طريقه.
التاريخ لا يحترم الأقوياء فقط، بل يحترم أيضاً من عرف حدود قوته.
وكل إمبراطورية سقطت كانت تظن أن الآخرين مجرد تابعين في دفتر أملاكها، وكل أمة خالدة هي أمة أدركت أن البشر لا يُقادون بالسلاسل مهما كانت مطلية بالذهب.
اسألوا بريطانيا عن مستعمراتها. كانت الشمس لا تغيب عن إمبراطوريتها، وكانت الخرائط تُرسم في لندن ثم تُرسل إلى شعوب الأرض وكأنها أوامر منزلة. لكن الشعوب كانت تفكر بصمت، وحين حانت اللحظة لم تطلب الإذن لتكون حرة.
فالشعوب لا تستأذن أحداً كي تتنفس.
واسألوا فرنسا عن الجزائر.
واسألوا الاتحاد السوفيتي عن أوروبا الشرقية.
واسألوا التاريخ كله عن مصير من ظن أن الشعوب عقارات تُورَّث.
فالنتيجة واحدة:
قد تستطيع السيطرة على الأرض زمناً، لكنك لا تستطيع امتلاك إرادة الناس.
فالإرادة ليست حقلاً نفطياً، ولا ميناءً بحرياً، ولا قاعدة عسكرية. هي شيء لا يُشترى ولا يُستأجر.
انظروا إلى الشعوب اليوم. لا تكره الدول الكبيرة لأنها كبيرة، ولا تعادي الدول الغنية لأنها غنية، وإنما ترفض أن يُعاملها أحد وكأنها قاصر سياسي.
تريد الاحترام قبل الدعم، والشراكة قبل التوجيه، والندية قبل النصائح المعلبة.
فالشعوب ليست موظفين لدى أحد، وليست بنادق للإيجار، وليست أوراقاً على طاولة المفاوضات.
ومن هنا نفهم لماذا تبقى الكرامة الوطنية أثمن من كل المنح والهبات والمساعدات، ولماذا تبقى الحرية مطلباً لا يسقط بالتقادم.
فالإنسان قد يقبل الفقر يوماً، وقد يصبر على المشقة أعواماً، لكنه لا يقبل أن يُنظر إليه باعتباره أقل شأناً من غيره.
هذه قاعدة لم ينجح أحد في كسرها.
أجمل العلاقات ليست تلك التي يقف فيها طرف فوق المنصة والآخر تحتها.
أجمل العلاقات هي تلك التي يجلس فيها الجميع حول الطاولة نفسها.
فالصديق الحقيقي لا يطلب منك أن تكون نسخة منه، ولا يشترط عليك التبعية مقابل المساندة، ولا يمنّ عليك بما قدمه بالأمس.
الصديق الحقيقي يحترم حقك في الاختلاف كما يحترم حقه في الاختيار.
فالندية لا تفسد العلاقات، بل هي التي تحميها.
أما الوصاية، مهما تجملت بالكلمات، فتبقى شكلاً آخر من أشكال الاستعلاء.
والشعوب قد تصمت طويلاً، وقد تؤجل الحساب طويلاً، لكنها لا تنسى أبداً من صافحها كشريك، ولا من خاطبها من شرفة الوصي.
فالأمم قد تختلف، وقد تتخاصم، وقد تتصالح، لكن الكرامة تبقى الذاكرة الأطول عمراً.