تَعَبُ الصِّحَّةِ وَلَا تَعَبُ الْمَرَضِ؛ حكمة أبي في العلاقة بين الرياضةوالقراءة.

السبت - 11 أبريل 2026 - 11:50 م


بروفيسور قاسم المحبشي
بقلم: بروفيسور قاسم المحبشي
ارشيف الكاتب


في صباحٍ هادئ، حين تكون المدينة ما تزال تتثاءب على استحياء، أجدني واقفًا بين خيارين لا يتنازعان بقدر ما يتكاملان: أن أمارس الرياضة، أو أن أقرأ. قد يبدو الأمر للوهلة الأولى كأنني أمام طريقين مختلفين، لكنني مع مرور الوقت أدركت أن كليهما طريق واحد، يبدأ من الجسد ويمتد إلى العقل، أو ربما العكس تمامًا. الآن وهنا وفي صباحٍ يشبه البدايات الأولى لكل شيء، كنت أقف بين معنيين لم أفهم عمقهما إلا بعد سنوات طويلة: أن تتعب من أجل أن تحيا، أو أن تتعب لأنك أهملت الحياة. يومها لم أكن أعرف أن تلك العبارة التي كان يرددها أبي: “تعب الصحة ولا تعب المرض”، ستصبح فيما بعد خلاصة تجربة، لا مجرد نصيحة عابرة. كان أبي، رحمه الله، رجلاً بسيطاً في مظهره، عظيماً في أثره. لم يكن متعلماً تعليماً نظامياً، لكنه كان قارئاً للحياة بعمق، وكأن التجربة منحته ما لا تمنحه الكتب أحياناً. كان يؤمن أن الإنسان لا يُبنى من جانب واحد؛ فكما يحتاج الجسد إلى حركةٍ تحفظ قوته، يحتاج العقل إلى قراءةٍ تُنير طريقه. لم يكن يفصل بين الرياضة والقراءة، ولا بين الجهد البدني والوعي الفكري، بل كان يرى فيهما معاً طريق النجاة. فالرياضة ليست مجرد حركة عضلية أو جهد بدني يُبذل لتقوية الجسد فحسب، بل هي لحظة صمت داخلية، نوع من التأمل الصاخب. حين أركض، أشعر أن أفكاري تتساقط واحدة تلو الأخرى، كما تتساقط الأوراق اليابسة في الخريف، لتفسح المجال لأفكار أكثر صفاءً ونقاءً. هناك، في تلك اللحظات التي يتسارع فيها نبض القلب، يتباطأ ضجيج الحياة. يصبح الجسد حاضرًا بكل تفاصيله، والعقل في حالة إصغاء عميق.

بالمثل تقف القراءة، لا كفعلٍ ساكن كما يظن البعض، بل كرحلة داخلية لا تقل حركة عن الركض. حين أفتح كتابًا، أشعر أنني أركض أيضًا، لكن في اتجاهٍ آخر؛ أركض بين الأفكار، أقفز بين السطور، وأتنقل بين عوالم لا تُقاس بالمسافات بل بالمعاني. القراءة ليست هروبًا من الواقع، بل إعادة تشكيل له، وفهم أعمق لما يدور حولنا وداخلنا فالعلاقة بين الرياضة والقراءة ليست علاقة تضاد، بل هي أشبه بعلاقة الروح بالجسد. الأولى تُقوّي العضلات وتمنحك القدرة على الاستمرار، والثانية تُغذي الفكر وتمنحك القدرة على الفهم. الجسد القوي دون عقل واعٍ قد يضل الطريق، والعقل المتقد دون جسد سليم قد يعجز عن المضي فيه.


لعلكم تتذكروني معي الفكرة التي ادمنت على نشرها في صفحتي منذ عشرات السنين؛ الفكرة التي تشبه العقل بالأرض؛ أرضٌ خصبة، مليئة بالإمكانات، لكنها إن تُركت دون حراثة أو سقي أو عناية، فلن تُنبت شيئًا. كذلك هو العقل، مهما بلغ من الذكاء، يظل خاملاً إن لم تُروه القراءة، وإن لم تُقلّبه الأسئلة، وإن لم تُحرّكه المعرفة. القراءة هنا ليست ترفًا، بل ضرورة، ليست هواية، بل أسلوب حياة لكن القراءة التي تُثمر ليست تلك التي تمر مرور الكرام، بل القراءة النقدية، القراءة التي تسأل وتشكك وتبحث. أن تقرأ لا يعني أن تتلقى فقط، بل أن تتحاور مع النص، أن توافق وتختلف، أن تبني رأيك الخاص. كما أن الرياضة لا تعني مجرد أداء التمارين، بل الانتباه للجسد، فهم حدوده، تطوير قدراته، واحترام إيقاعه.


في حياتي الشخصية، لم أعد أرى الرياضة والقراءة كعادتين منفصلتين، بل كجزء من نظام متكامل. حين أُهمل الرياضة، أشعر بثقلٍ في أفكاري، وكأن شيئًا ما يعيق تدفقها. وحين أبتعد عن القراءة، أشعر بفراغٍ داخلي، كأنني أتحرك بلا اتجاه. الاثنان معًا يخلقان توازنًا دقيقًا، يجعلني أكثر حضورًا في يومي، وأكثر وعيًا بذاتي.


الرياضة تُعلمني الانضباط. أن ألتزم بوقتٍ محدد، أن أقاوم الكسل، أن أستمر رغم التعب. والقراءة تُعلمني الصبر. أن أُكمل كتابًا، أن أبحث عن معنى، أن أتقبل الغموض أحيانًا. كلاهما يربيان فيّ صفاتٍ لا تُدرّس في المدارس، لكنها تصنع الفارق في الحياة.


هناك أيضًا بعدٌ آخر لهذه العلاقة، وهو التأثير النفسي. الرياضة تُفرغ التوتر، تُطلق هرمونات السعادة، وتُعيد التوازن الكيميائي للجسد. والقراءة تُهدئ العقل، تُقلل من القلق، وتفتح نوافذ جديدة للتفكير. حين يجتمع الاثنان، يصبح الإنسان أكثر قدرة على مواجهة ضغوط الحياة، وأكثر مرونة في التعامل مع التحديات.


قد يسأل البعض: كيف يمكن الجمع بينهما في حياةٍ مزدحمة؟ والإجابة بسيطة، لكنها تحتاج إلى قرار. ليس المطلوب ساعات طويلة من التمارين أو قراءة عشرات الصفحات يوميًا، بل الاستمرارية. عشرون دقيقة من الرياضة، وعشر صفحات من كتاب، قد تُحدث فرقًا كبيرًا مع مرور الوقت. الأمر ليس في الكمية، بل في الالتزام.


أحيانًا، أبدأ يومي بالرياضة، وكأنني أوقظ جسدي من سباته، ثم أتبعه بقراءة، وكأنني أوقظ عقلي أيضًا. وأحيانًا أفعل العكس، أقرأ أولاً لأُحفّز أفكاري، ثم أمارس الرياضة لأُفرغ طاقتي. في كلتا الحالتين، أشعر أنني أُغذي نفسي بطريقتين مختلفتين، لكنهما تصبان في نفس الهدف: أن أكون أفضل.


في النهاية، لا يمكننا أن نفصل بين الجسد والعقل، كما لا يمكننا أن نفصل بين الرياضة والقراءة. كلاهما يعكسان صورة الإنسان المتكامل، الذي يسعى إلى النمو في كل جوانب حياته. فكما نحرص على صحة أجسادنا، يجب أن نحرص على تغذية عقولنا، وكما نبحث عن القوة البدنية، يجب أن نبحث عن العمق الفكري.


لعل أجمل ما في هذه العلاقة هو أنها متاحة للجميع. لا تحتاج إلى إمكانيات كبيرة، ولا إلى ظروف مثالية. تحتاج فقط إلى وعيٍ بأهميتها، ورغبة صادقة في التغيير. أن تبدأ بخطوة صغيرة، أن تفتح كتابًا، أن تمشي قليلًا، أن تمنح نفسك هذا الاهتمام الذي تستحقه.


لقد أدركت مع الوقت أن التوازن بين الجسد والعقل ليس رفاهية، بل ضرورة. أن تمارس الرياضة، وأن تقرأ، ليس لأن لديك وقتاً، بل لأنك تحتاج أن تصنع وقتاً. فالحياة التي نؤجل فيها أنفسنا، هي حياة نخسر فيها شيئاً كل يوم دون أن نشعر


وفي لحظة صدق مع الذات، ستدرك أن الرياضة ليست مجرد عادة، والقراءة ليست مجرد هواية، بل هما أسلوب حياة. أسلوب يُعيد ترتيبك من الداخل، ويمنحك القدرة على الاستمرار في عالمٍ لا يتوقف. عالم يحتاج إلى جسدٍ قوي، وعقلٍ يقظ، وروحٍ تعرف كيف توازن بين الاثنين.


وهكذا، بين خطوةٍ تُقطع على الطريق، وصفحةٍ تُقلب في كتاب، تتشكل حياتنا. ليس بما نملك، بل بما نُمارس، ليس بما نعرف، بل بما نفهم. وفي هذا التبسيط ، يكمن سرٌ كبير: أن تكون حيًا بحق، جسدًا وعقلاً، حركةً وفكرًا، رياضةً وقراءة...