حينما تتصادم بدايات التاريخ مع نهاياته من وحي تهديد ترامب بمحو الحضارة

الخميس - 09 أبريل 2026 - 11:56 م


بروفيسور قاسم المحبشي
بقلم: بروفيسور قاسم المحبشي
ارشيف الكاتب


ربما كان من حسن حظي أنني قبل يومين أنشأت قناتي في اليوتيوب باسم (فلسفة الحضارة) وذلك قبل تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن (محو الحضارة الساسانية من الوجود) هذا التصريح الذي اثارة موجة هائلة من ردود الأفعال والقلق والمخاوف واعادة حضور مفهوم الحضارة على نحو لم يسبق له مثيل ولعل هذا من سوف يجعلني غدا استجل فيديو في معنى الحضارة ووظيفتها بعد إن سمعت وشاهدت ذلك الاضطراب في فهم الناس للمعنى والدلالة إذ تشهدت الدوائر الأكاديمية والثقافية والإعلامية الراهنة ولازالت سعاراً محموماً في ترديد كلمة ( حضارة) وما تثيره في النفوس والأذهان من ردود أفعال وعواطف وأفكار مختلفة وملتبسة في معظم الاحيان بسبب بداهة الاستعمال السيئ للكلمة طوال السنوات الماضية الذي جعلها عرضة لسوء فهم لا حد مصدراً لكثير من الغموض واللغط والضلال، وقد بتنا تطلقها على ظواهر وأشياء لا حصر من قبيل: حضارة، تحضر، حاضرة ، متحضرة، حضارة بدائية، حضارة حديثة، والحضارة الصناعية والحضارة المادية وصدام الحضارة وحوار الحضارات والحضارة المتخلفة والحضارة المتقدمة والحضارة الغربية والحضارة الاسلامية والغزو الحضاري والتخلف الحضاري الخ ، وعبر كل الاستخدامات للكلمة تم تحمليها معاني ودلالات متنوعة ومشوشة تزيد من تعميق سوء التفاهم والتباعد بين الشعوب كما هو حادث اليوم بعد تصريح ترامب عن محو الحضارة وإخفاءها. جاء في لسان العرب لابن منظور "الحضور نقيض المغيب والغيبة، حضر يحضر حضوراً أو حضارة"والحضّر خلاف البدو، والحاضر خلاف البادي، والحاضر المقيم في المدن والقرى، والبادي من البدء أي الظهور، الذي نراه بادياً، ونشاهده بالعين المجردة أمامنا، وهو المقيم في البادية المكشوفة للرؤية بحكم طبيعتها الصحراوية. وفي «دائرة معارف القرن العشرين»: الحضارة خلاف البداوة، وهي كلمة مرادفة لكلمة المدنية. وفي «معجم متن اللغة»: الحضارة ضد البداوة والإقامة في الحضر هي الطباع المكتسبة من المعيشة في الحضر أي المدن.والحضارة عند ابن خلدون هي غاية العمران، ونهاية عمره، وأنها مؤذنة بفساده، والحضارة عند ألبرت إشيفيتسر هي "التقدم الروحي والمادي للأفراد والمجتمعات على حد سواء"وفي اللغات الأوروبية ظهرت كلمة حضارة في ستينيات القرن السادس عشر في فرنسا من قِبل بعض المحلَّفين الفرنسيين أمثال: جان بودان، ولويز لوروا، بمعنى تحضر وتهذيب «Civilite Civillse»، وهي تصف الناس الملتزمين بالعمل وفق أشكال سياسية معينة، وتكشف فنونهم، ووسائلهم عن درجة من الكياسة والسمو، ويعتبرون أخلاقهم وسلوكياتهم أرقى من أخلاقيات وسلوكيات غيرهم من أبناء مجتمعهم، أو المجتمعات الأخرى.


واليكم وجّهت نظري في معنى التاريخ ودلالاته الفلسفية في ضوء منظور اولفين توفلر للموجات الحضارية فحين ننظر إلى التاريخ لا بوصفه خطاً مستقيماً يتقدم بثقة نحو غاية مفترضة، بل بوصفه موجات متلاحقة من التحولات العنيفة، ندرك أن ما نعيشه اليوم ليس مجرد مرحلة انتقالية عابرة، بل لحظة تصادمية كثيفة بين أنماط حضارية متنافرة، لحظة يتكثف فيها الزمن وتضطرب فيها المعاني وتفقد فيها المفاهيم القديمة قدرتها على التفسير. لقد بدا هذا التشبيه بالموجات أكثر قدرة على التقاط ديناميكية التاريخ من كل تلك المصطلحات التي حاولت اختزال العالم في “ما بعد” شيء ما؛ ما بعد الحداثة، ما بعد الأيديولوجيا، ما بعد التاريخ. فالموجة، بخلاف “الما بعد”، لا تفترض قطيعة نهائية، بل توحي بحركة مستمرة، بتداخل، وبصراع حين تتلاقى الموجات وتتصادم، فتولد طاقة عنيفة تعيد تشكيل الشواطئ، أي تعيد تشكيل العالم ذاته.


في هذا الأفق يمكن قراءة التصريحات الصادمة التي صدرت عن دونالد ترامب بشأن “محو الحضارة الفارسية”، لا باعتبارها مجرد زلة خطابية أو تهديد سياسي عابر، بل بوصفها عرضاً مكثفاً لمنطق أعمق يحكم المرحلة الراهنة: منطق الصدام الحضاري في طوره الأكثر بدائية وتوحشاً، حيث تتحول المعرفة والقوة التقنية إلى أدوات لإعادة تعريف الوجود نفسه، لا فقط السيطرة عليه. إن هذا الخطاب، الذي يهدد بمحو حضارة عريقة، يكشف عن انزلاق خطير في وعي القوة المعاصرة، حيث لم تعد الحروب تستهدف الجغرافيا أو الموارد فحسب، بل باتت تستهدف الذاكرة، الرموز، والهوية الحضارية ذاتها.


لقد أشار ألفين توفلر إلى أن الموجة الثالثة، التي ترتكز على المعرفة والتقنية، ستعيد تشكيل العالم بشكل جذري، وأن الصراعات التي نشهدها ليست سوى مخاض هذه الحضارة الجديدة. غير أن هذه الرؤية، على الرغم من عمقها، تنطوي على قدر من التفاؤل المفرط، بل وربما على نوع من العمى الأخلاقي، إذ تتجاهل أن هذا “المخاض” ليس حيادياً ولا حتمياً في اتجاهه، بل يمكن أن ينقلب إلى كارثة وجودية حين تقع أدوات المعرفة في قبضة عقل استراتيجي لا يعترف إلا بمنطق الهيمنة.


إن تصريح ترامب يعيدنا إلى سؤال جوهري: ماذا يحدث عندما تلتقي ذروة القوة التقنية، التي تمثلها الموجة الثالثة، مع بقايا ذهنية تنتمي إلى موجات سابقة، حيث كان الإبادة والمحو أدوات مشروعة في إدارة الصراع؟ هنا بالضبط يتولد ذلك التوتر الذي يشبه التقاء موجتين غير متكافئتين، فتكون النتيجة اضطراباً هائلاً لا يمكن التنبؤ بمآلاته. فالعالم الذي يمتلك القدرة على “محو حضارة” بضغطة زر، هو عالم فقد التوازن بين المعرفة والحكمة، بين القدرة والمسؤولية.


في مقالي الذي نشرته عام 2003 بعنوان “حينما تتصادم بداية التاريخ مع نهايته، أو العراق والبحث عن الحرية المستحيلة”، حاولت أن أقرأ الغزو الأمريكي للعراق بوصفه لحظة تصادم بين زمنين: زمن “بداية التاريخ” حيث تتشكل الهويات وتُخاض الصراعات البدائية على الوجود، وزمن “نهاية التاريخ” كما بشّر به بعض منظري الليبرالية، حيث يفترض أن الصراعات الكبرى قد حُسمت لصالح نموذج واحد نهائي. غير أن ما حدث في العراق كشف زيف هذه الثنائية؛ إذ لم تكن “نهاية التاريخ” سوى قناع أيديولوجي لإعادة إنتاج صراعات البداية بأدوات أكثر تطوراً.


واليوم، مع تصاعد الخطاب الذي يهدد بمحو حضارات، نرى هذا التصادم يتكرر ولكن على نطاق أوسع وأكثر خطورة. فالحضارة الفارسية، كما الحضارة العربية وغيرها من الحضارات العريقة، ليست مجرد كيان جغرافي يمكن تدميره، بل هي طبقات متراكمة من المعنى، من اللغة، من الذاكرة، من التجربة الإنسانية. إن التهديد بمحوها هو، في جوهره، تهديد لمفهوم الحضارة ذاته، أي لفكرة التراكم التاريخي الذي يشكل إنسانيتنا المشتركة.


لقد كان نابليون يتساءل عن صراع السيف والعقل، ويرجح انتصار العقل في النهاية. لكن ما نشهده اليوم يوحي بأن هذا الصراع قد دخل مرحلة أكثر تعقيداً، حيث لم يعد السيف نقيضاً للعقل، بل أصبح امتداداً له في صورته التقنية. فالطائرة المقاتلة، والصاروخ الذكي، وأنظمة الذكاء الاصطناعي العسكرية، كلها تجسد هذا التحالف المقلق بين العقل الأداتي والقوة التدميرية. وهنا يصبح السؤال: أي عقل هذا الذي ينتصر؟ هل هو عقل التنوير الذي يسعى إلى التحرر والكرامة، أم عقل الهيمنة الذي يوظف المعرفة لإخضاع الآخر؟


إن جان فرانسوا ليوتار كان قد نبه إلى أن المعرفة في عصر ما بعد الحداثة ستتحول إلى سلعة وإلى أداة قوة، وأن الصراع عليها سيصبح محورياً. غير أن ما لم يتضح بشكل كافٍ آنذاك هو أن هذا التحول سيؤدي أيضاً إلى تآكل الأسس الأخلاقية التي كانت تضبط استخدام المعرفة. فحين تصبح المعرفة مجرد “لعبة لغة” أو أداة لتحقيق التفوق، فإنها تفقد بعدها الإنساني، وتتحول إلى قوة عمياء يمكن أن تُستخدم في أي اتجاه، بما في ذلك تدمير الحضارات.


من هنا يمكن فهم كيف أن خطاباً مثل خطاب ترامب لا يُقابل بالرفض الحاسم داخل بعض الدوائر، بل يجد من يبرره أو يقلل من خطورته. فالمشكلة ليست في التصريح ذاته، بل في البنية الفكرية التي تسمح بإنتاجه وتداوله. إنها بنية ترى العالم من منظور تفوقي، تعتبر أن من يمتلك القوة التقنية يمتلك الحق في إعادة تشكيل العالم وفق مصالحه، حتى لو كان ذلك على حساب تدمير تراث إنساني عمره آلاف السنين.


إن توفلر، في تحليله لصراعات الموجة الثالثة، كان يرى أن الدول المتقدمة تقنياً ستخوض حروباً لضمان هيمنتها في النظام العالمي الجديد. وقد صنف حرب الخليج الثانية بوصفها صراعاً بين الموجة الثانية والموجة الثالثة. غير أن التطورات اللاحقة، بما في ذلك صعود قوى جديدة مثل الصين، وتغير موقع روسيا، وتزايد الاضطرابات داخل الغرب نفسه، تشير إلى أن المشهد أكثر تعقيداً مما تصوره. فالصراع لم يعد فقط بين موجات حضارية متعاقبة، بل بين نماذج مختلفة داخل الموجة الثالثة ذاتها، بين رؤى متنافسة لكيفية توظيف المعرفة والقوة.


وفي هذا السياق، يبدو أن العالم يدخل مرحلة يمكن وصفها بـ”فوضى الموجات”، حيث تتداخل أنماط مختلفة من التنظيم الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، دون أن يتمكن أي منها من فرض هيمنة مستقرة. وهذا ما يفسر ذلك الشعور العام بالاضطراب وفقدان المعنى الذي تحدث عنه العديد من المفكرين منذ منتصف القرن العشرين. فالتاريخ، في هذه اللحظة، لا يبدو وكأنه يتجه نحو غاية واضحة، بل وكأنه يدور في دوامة من التحولات المتسارعة التي تتجاوز قدرة العقل على الاستيعاب.


غير أن أخطر ما في هذه المرحلة ليس الاضطراب ذاته، بل إمكانية انزلاقه إلى صدامات حضارية مدمرة، خاصة في ظل تزايد النزعات القومية والشعبوية، وتراجع القيم الكونية التي حاولت الحداثة ترسيخها. فحين يُختزل الآخر في صورة عدو يجب محوه، وحين تُختزل الحضارة في أداة للهيمنة، فإننا نكون أمام عودة خطيرة لمنطق ما قبل الحضارة، ولكن بأدوات ما بعد الحداثة.


إن استدعاء الحضارة الفارسية كهدف محتمل للمحو ليس بريئاً، فهو يحمل دلالات رمزية عميقة تتجاوز السياق السياسي المباشر. إنه يعيد إنتاج ثنائية “نحن” و”هم” في أكثر صورها حدة، ويغذي سرديات الصراع التي يمكن أن تؤدي إلى مواجهات أوسع. وهنا يصبح السؤال ليس فقط عن مستقبل هذه الحضارة أو تلك، بل عن مستقبل الإنسانية ككل في ظل هذا التصاعد الخطير في خطاب الإقصاء.


لقد أظهر التاريخ أن الحضارات لا تُمحى بسهولة، وأن محاولات تدميرها غالباً ما تؤدي إلى نتائج عكسية، حيث تعيد إحياء الهويات وتعزز الشعور بالانتماء. لكن هذا لا يعني أن الخطر غير موجود، بل على العكس، فإن الأدوات المتاحة اليوم تجعل من الممكن إحداث دمار غير مسبوق، ليس فقط على المستوى المادي، بل أيضاً على مستوى الذاكرة والثقافة.


من هنا، فإن إعادة قراءة أفكار توفلر وليوتار وغيرهما في ضوء الواقع الراهن تفرض علينا تجاوز التفسيرات الاختزالية، والاعتراف بأننا أمام مرحلة تاريخية مفتوحة على احتمالات متعددة، بعضها ينطوي على مخاطر وجودية حقيقية. فالموجة الثالثة، رغم ما تحمله من إمكانات هائلة، ليست ضمانة للتقدم أو للتحرر، بل هي ساحة صراع جديدة تتحدد نتائجها وفق كيفية استخدام المعرفة والقوة.


إن التحدي الأكبر اليوم ليس في فهم ما يحدث فحسب، بل في القدرة على توجيهه نحو مسار أكثر إنسانية. وهذا يتطلب إعادة التفكير في العلاقة بين المعرفة والأخلاق، بين القوة والمسؤولية، وبين الهوية والانفتاح. فبدون ذلك، قد نجد أنفسنا أمام عالم تتحقق فيه أسوأ كوابيس التاريخ، حيث تتصادم الموجات الحضارية لا لتخلق عالماً جديداً، بل لتدمر ما تبقى من العالم القديم دون أن تقدم بديلاً قابلاً للحياة.


وفي هذا الأفق، يبدو أن مقولة “حينما تتصادم بداية التاريخ مع نهايته” تكتسب اليوم معنى أكثر عمقاً وإلحاحاً. فنحن لا نعيش نهاية التاريخ كما تصورها البعض، ولا بدايته كما عرفتها البشرية في عصورها الأولى، بل نعيش لحظة تداخل معقدة بين الاثنين، حيث تتجاور أكثر أشكال التقدم التقني تطوراً مع أكثر أشكال التفكير بدائية. وهذه المفارقة هي ما يجعل المرحلة الراهنة خطيرة ومفتوحة في آن واحد، إذ يمكن أن تقود إلى انبعاث حضاري جديد، كما يمكن أن تنزلق إلى صدامات مدمرة تهدد الأسس التي قامت عليها الحضارة الإنسانية.


إن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: هل يمكن للعقل الإنساني أن يستعيد بصيرته في خضم هذا الاضطراب، وأن يضع حدوداً لاستخدام القوة، وأن يعيد الاعتبار لفكرة الحضارة بوصفها مشروعاً إنسانياً مشتركاً، لا ساحة صراع صفري؟ أم أننا سنشهد مزيداً من التصريحات التي تهدد بالمحو، ومزيداً من السياسات التي تترجم هذه التهديدات إلى واقع؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير شكل العالم الذي سيتشكل في العقود القادمة، وما إذا كانت الموجة الثالثة ستقودنا إلى أفق جديد من الإنسانية، أم إلى هاوية صدام لا يبقي ولا يذر.