جاء في محاورة طيماوس
"صولن، ياصولن أنتم الهليين تلبثون دوماً اطفالاً.. أنتم جميعكم فتيان بارواحكم، إذ لا تحفظون فيها تراثاً قديماً مستمداً من نقل أو تقليد عتيق، ولا علماً غابرا مع تراخي الزمان.. وسبب ما دهمت البشر من كوارث متعددة.. ومن قديم الزمان يسجل هذا كله عندنا ويحفظ في الهياكل، وأما عندكم فكل مرة تكاد تنتظم فيها شؤون الأدب والشؤون الأخرى كلها التي تحتاج اليها الدول، تفيض السماء وتغرقها ويذهب بها وكأنه وباء يتفشى في سنين معهودة "أي نظرية طوفان دوري". فيترك منكم الأميين والجهلة، بحيث تصبحون بمثابة أحداث ابتدءوا عهداً جديداً، لا تعرفون شيئاً من كل ما كان في غابر الازمان لدينا أو لديكم. ما كنت تسلسله الآن من إنساب، يا صولن، في استعراضك أحداث بلادكم لا تختلف الا قليلاً عن خرافات الصبية، فأنتم اولا تذكرون طوفاناً واحداً غطى وجه الأرض ، مع أن فيضانات كثيرة قد حدثت قبله. ثم لا تعلمون أن ابهى وخير أمة أخرجت للناس ظهرت عندكم وفي بلادكم... وقد فاتكم هذا الأمر ، لأن المتعاقبين من تلك الأمة خلال أجيال وأجيال قد تلفوا وهم لا ينطقون بلغة الكتابة"من هذا النص نستنتج بعد التحليل، الخلاصة التالية:
اولاً: أن الثقافة اليونانية لم تكن تحوى فلسفة متسقة للتاريخ والحضارة والمجتمع والإنسان عامتاً.
ثانياً: ظلت التأملات الفلسفية حول التاريخ والإنسان والقيم، مشوبة بالاساطير والخرافات.
ثالثاً: كانت النظرية الدورية للكون والفساد، والكوارث الطبيعية، ترسيخاً للشعور بالعجز والايمان بقوة القدر كما تروي اسطورة اوديب.
رابعاً: رغم اهتمام الفلسفة اليونانية بالطبيعة ومشكلاتها الا ان الكثير من المحاولات الجدية قد بذلت للنفاذ الى جوهر العملية التاريخية وتحديد قواها المحركة. وهذا ما فعلته الحركة السفسطائية، التي اعلنت "الانسان مقياس كل شي" وتأثر بها سقراط 470-399م حينما اعلن في محاورة (فايدروس) "بان رجال المدنية هم الذين يعلموني" أي انه انصرف من بحث الطبيعة والكون الى بحث الانسان وعالمه التاريخي، وكانت صرخته "بان على الانسان ان يعرف نفسه، بداية وعي عميق بفلسفة التاريخ.
خامساً: يمكن القول ان ثمة شذرات واضاءات باتجاه الفهم الفلسفي للتاريخ عند افلاطون وارسطو وبعض الرواقيين وابرزهم "سنيكا4-65 ق.م". الذي كشف عن بصيرة نافذة حينما وقف على الطرف النقيض من موقف تلميذه ماركوس اوريليوس، حيث ذهب سينكا الى تأكيد حتمية تقدم المعرفة الانسانية في المستقبل بقوله:-"هنا الكثير من الناس اليوم يجهلون سبب خسوف القمر، ولم يوضح هذا السبب في اوساطنا الا مؤخراً ولسوف ياتي اليوم الذي يفسر فيه الزمن والاجتهاد الانساني مسائل مبهمة الان... ذات يوم سيعجب من سياتي بعدنا من جهلنا لاسباب واضحة جداً لهم... في الزمن القادم سيعرف الناس الكثير مما نجهله نحن. وهناك الكثير من الاكتشافات المدخرة للازمان القادمة، حين تكون ذكرانا قد ذبلت في اذهان الناس، نحن نتصور اننا ارشدنا الى اسرار الطبيعة، في حين أننا لا نزال واقفين عند عتبة معبدها"حتى وان لم يكن "سنيكا" يعي فكرة التقدم وما يمكن ان تقدمه المعرفة من تحسن للعالم، فيكفيه انه قد تصور في ذلك العصر القديم، ما يمكن ان تفتحه العلوم الطبيعية للانسان من مناطق سماوية تمكنه وهو على حد قوله "وسط النجوم" ان يضحك على الارض وثرواتها. ولقد ادرك هذا الفيلسوف، انه لا نهاية للمعرفة الانسانية ولا نهاية للثقافة الا بنهاية العلم والادب والفن... وهذا مستحيل الا اذا مات الحلم والمثال والتمني والرجاء، والالما غدا الضحك وسط النجوم، الذي كان حلماً بعيد المنال في زمن سنيكا واقعاً فعلاً وصار الانسان ينظر الى الارض من القمر بسيادة وبماجلان صار الانسان اكبر من الارض. وبكوبرنيكوس وغاليلو صار الانسان اكبر من الشمس... ولا نهاية لصراع الانسان ازاء الطبيعة وازاء نفسه ولا نهاية لتاويل ابن عربي وهو يقتض نجوم السماء كما لا نهاية لتحقيق رؤياه.
مقتطف من كتابي فلسفة التاريخ في الفكر الغربي الفصل الأول من هيرودوت إلى شبنجلر...