حين تُدار المدن بالهامش… تضيع المراكز وتُختزل الدولة!

الثلاثاء - 07 أبريل 2026 - 11:55 م


ياسر منصور
بقلم: ياسر منصور
ارشيف الكاتب

لم تعد القضية مجرد افتتاح مكتب هنا أو نقل خدمة هناك، بل أصبحت مسألة أعمق تمس جوهر إدارة الدولة وفهم معنى “المركز” و”الأطراف”. ما يحدث اليوم يكشف خللاً واضحاً في ترتيب الأولويات، ويفتح باب التساؤل: هل نحن أمام رؤية مدروسة، أم قرارات مرتجلة تُتخذ بعيداً عن الواقع واحتياجات الناس؟

من غير المنطقي أن تُعاد صياغة الخارطة الخدمية بطريقة تقلب المعادلة، فيُترك القلب نابضاً بلا رعاية، بينما تُضخ الإمكانيات في أماكن لا تمثل الثقل السكاني أو الإداري. فالعواصم ليست مجرد أسماء على الورق، بل هي مراكز ثقل، ومحاور حركة، ونقاط التقاء للمواطنين الباحثين عن أبسط حقوقهم في الخدمة.

المواطن اليوم لا يعنيه موقع الافتتاح بقدر ما يعنيه الوصول السهل، والسرعة في الإنجاز، ووجود الخدمة حيث الكثافة والاحتياج. وعندما تُنقل الخدمات بعيداً عن هذا الواقع، فإن الرسالة التي تصل للناس واضحة: هناك خلل… وهناك من لا يرى الصورة كما هي.

الأخطر من ذلك، أن مثل هذه الخطوات تخلق شعوراً متنامياً بالإهمال، وربما الإقصاء، لدى شريحة واسعة من المواطنين. وهذا الشعور لا يأتي من فراغ، بل من تراكم قرارات لا تراعي التوازن ولا تحترم المكانة الإدارية والتاريخية للمراكز الحضرية.

لسنا ضد التوسع أو إيصال الخدمات إلى كل المناطق، بل هذا مطلب مشروع وضروري. لكن التوسع لا يعني إضعاف الأساس، ولا يجوز أن يكون على حساب مواقع يفترض أن تكون هي المرجع والنقطة الرئيسية لتقديم الخدمة.

وما يدفعنا لطرح هذا الحديث اليوم تحديداً، هو ما جرى من افتتاح فرع لمصلحة السجل المدني في منطقة الخضراء، في الوقت الذي لا يزال فيه فرع عاصمة المحافظة مغلقاً، رغم توفر مبنى حكومي مخصص له وإمكانية تشغيله.

وهنا يكمن جوهر الإشكال: أيهما أولى… تفعيل فرع يخدم الكثافة السكانية ومركز المحافظة، أم افتتاح موقع جديد في نطاق محدود بينما الأصل معطل؟!

هذا السؤال ليس اعتراضاً على خدمة الناس في أي مكان، بل دعوة صريحة لإعادة ترتيب الأولويات بعقلانية وعدالة، حتى لا تتحول القرارات إلى عبء إضافي على المواطن بدلاً من أن تكون حلاً لمعاناته.

وفي النهاية، يبقى المعيار الحقيقي: هل نضع الخدمة حيث يجب أن تكون… أم حيث نريد لها أن تكون؟!