ُعدّ عدن واحدةً من المدن القليلة في التاريخ الإنساني التي احتفظت عبر العصور بأهميتها الاستراتيجية الإقليمية والعالمية، لما تمتلكه من موقع جغرافي فريد وخصائص طبيعية وتاريخية وثقافية وحضارية جعلتها مركزاً للتجارة والتواصل بين القارات. وقد شكّلت المدينة في العصر الحديث نموذجاً مبكراً للحداثة المدنية في المنطقة بفضل انفتاحها على العالم وتماسها المبكر مع حركة التجارة الدولية والملاحة البحرية، إذ يقع ميناء عدن بالقرب من واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وهو مضيق باب المندب، الذي يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي. هذا الموقع الاستثنائي جعل المدينة عبر التاريخ محوراً للتجارة العالمية ومحطة أساسية للسفن العابرة بين الشرق والغرب. ولذلك لم يكن أمن عدن واستقرارها مسألة محلية فحسب، بل ظل دائماً مرتبطاً بالأمن الإقليمي والدولي نظراً لما يمثله المضيق من أهمية استراتيجية للتجارة والطاقة العالمية.
ولا ريب أن الأمن والاستقرار يشكلان الشرط الأساسي لأي عملية تنمية اقتصادية، كما أشرت في ورقتي البحثية بعنوان (أمن عدن ضرورة وطنية ومصلحة إقليمية ودولية)، إذ إن الشعور بالأمان يمثل القاعدة التي تُبنى عليها كل أشكال النشاط الاقتصادي. ففي المدن المينائية الكبرى مثل عدن، يتضاعف أثر الأمن، لأن الاستقرار ينعكس مباشرة على حركة التجارة والملاحة والاستثمار. فكلما كانت المؤسسات الأمنية والقضائية قادرة على فرض القانون وحماية المصالح الاقتصادية، ازدهرت الأنشطة التجارية وتدفقت الاستثمارات وارتفعت فرص العمل وتحسّن مستوى المعيشة.
لقد شهدت المنطقة المحيطة بباب المندب نشاطاً بحرياً كثيفاً منذ آلاف السنين، وكانت السفن الشراعية تعبر البحر الأحمر والبحر العربي في طريقها إلى الهند وشرق أفريقيا. وقد ارتبط اسم المضيق بالعديد من الروايات التاريخية والأسطورية التي تعكس صعوبة الملاحة فيه وخطورته، حتى عُرف أحياناً بـ”بوابة الدموع”. ومع ذلك، ظل هذا الممر البحري أحد أهم طرق التجارة العالمية.
ومع بداية عصر الكشوف الجغرافية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، اشتد التنافس بين القوى الأوروبية للسيطرة على طرق التجارة البحرية. فبعد وصول كريستوفر كولومبوس إلى العالم الجديد عام 1492، ووصول فاسكو دا غاما إلى الهند عام 1498، أصبحت الممرات البحرية في المحيط الهندي والبحر الأحمر محل صراع بين القوى الاستعمارية. وقد وصلت القوات البرتغالية إلى سواحل عدن في مطلع القرن السادس عشر، ثم تعاقبت محاولات السيطرة على المنطقة لما تمثله من قيمة استراتيجية.
في القرن التاسع عشر، تزايدت أهمية عدن بالنسبة للإمبراطورية البريطانية، خاصة بعد توسع تجارتها مع الهند وشرق آسيا. فقد رأت بريطانيا في عدن محطة مثالية لتموين السفن بالبخار بالفحم، نظراً لوقوعها تقريباً في منتصف الطريق بين الهند وقناة السويس. وفي عام 1839 استولت بريطانيا على عدن وحولتها إلى واحدة من أهم القواعد البحرية والتجارية في المنطقة، مستفيدة من موقعها الطبيعي كميناء عميق وآمن.
وخلال عقود قليلة، تحولت عدن إلى مركز تجاري عالمي ومحطة رئيسية للملاحة الدولية، حيث كانت السفن القادمة من أوروبا والمتجهة إلى آسيا تمر عبرها للتزود بالوقود والمؤن، وقد ساهم ذلك في ازدهار اقتصادي وثقافي جعل المدينة واحدة من أكثر مدن المنطقة انفتاحاً وتنوعاً.
اليوم، وبعد عقود من التراجع بسبب الصراعات السياسية والاضطرابات، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة تفعيل ميناء عدن واستعادة دوره التاريخي في التجارة الدولية. فالميناء يمتلك مقومات طبيعية ولوجستية كبيرة، أهمها موقعه الاستراتيجي بالقرب من باب المندب وعلى خطوط الملاحة العالمية التي يمر عبرها جزء كبير من تجارة العالم.
وفي هذا السياق، تكتسب مسألة استعادة الدور العالمي لميناء عدن بعد الحرب الراهنة أهمية مضاعفة، إذ لم تعد القضية مجرد إعادة تشغيل مرفق اقتصادي، بل إعادة إدماج اليمن في خريطة الاقتصاد البحري العالمي. فالحروب التي عطّلت الممرات البحرية وأربكت سلاسل الإمداد كشفت هشاشة الاعتماد على موانئ محدودة بعينها، وأعادت الاعتبار للمواقع البديلة القادرة على تأمين تدفق التجارة الدولية. ومن هنا، فإن ميناء عدن يملك فرصة تاريخية ليكون جزءاً من إعادة توزيع مراكز الثقل البحري، ليس فقط بوصفه محطة عبور، بل كمركز خدمات لوجستية متكامل يشمل التخزين وإعادة التصدير والصناعات المرتبطة بالنقل البحري. إن استعادة هذا الدور تتطلب رؤية تتجاوز منطق التعافي إلى منطق التموقع الاستراتيجي، بحيث يتحول الميناء إلى عنصر فاعل في توازنات التجارة الإقليمية والدولية، لا مجرد تابع لها.
وفي ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة في المنطقة، تبرز فرصة تاريخية أمام اليمن لإعادة إحياء هذا الميناء الحيوي. فالتوترات والحروب التي اندلعت مؤخراً أدت إلى اضطراب كبير في طرق الملاحة والتجارة في الخليج العربي، وهو ما انعكس على نشاط عدد من الموانئ الكبرى في المنطقة.
إن تعطل أو تراجع نشاط بعض الموانئ يفتح المجال أمام موانئ بديلة قادرة على استيعاب جزء من حركة التجارة العالمية. وهنا تبرز عدن بوصفها خياراً استراتيجياً طبيعياً، نظراً لقربها من خطوط الملاحة الدولية وامتلاكها ميناءً طبيعياً عميقاً يمكن تطويره ليصبح مركزاً إقليمياً للنقل البحري والخدمات اللوجستية.
إن إعادة تفعيل ميناء عدن لا ينبغي أن يُنظر إليها كمشروع اقتصادي فحسب، بل كمشروع وطني استراتيجي يعيد لليمن جزءاً من مكانته التاريخية في التجارة العالمية. ويمكن تحقيق ذلك عبر خطوات أساسية، من أهمها تعزيز الأمن والاستقرار، وتحديث البنية التحتية، وإنشاء مناطق اقتصادية حرة، وربط الميناء بشبكات نقل حديثة، والاستفادة من موقعه كبوابة لشرق أفريقيا.
إن التاريخ والجغرافيا يمنحان عدن فرصة فريدة لاستعادة دورها كمحور للتجارة الدولية، لكن تحقيق ذلك يتطلب إرادة سياسية ورؤية استراتيجية طويلة المدى. وفي عالم يشهد تحولات متسارعة في طرق التجارة والتحالفات الاقتصادية، قد تكون اللحظة الراهنة فرصة نادرة لعودة عدن إلى مكانتها التي تستحقها، فعدن لم تكن مجرد مدينة ساحلية، بل كانت – ولا تزال – بوابة بحرية بين القارات، وإذا أُحسن استثمار موقعها وإمكاناتها فإنها قادرة على أن تستعيد دورها كمركز اقتصادي عالمي يخدم اليمن والمنطقة بأسرها..
قاسم المحبشي