في صباحٍ بدا عادياً، كان الضوء يتسلل بهدوء فوق بحر العرب، وكانت عدن — المدينة التي أحب — تستيقظ على إيقاعها القديم، حيث يختلط الملح برائحة القهوة، والهدوء بحلم يومٍ جديد. لم أكن أعلم أن ذلك الصباح، 27 مارس 2018، سيقسم حياتي إلى ما قبل وما بعد. صباح ذلك النهار دخلت مكتبي في كلية الآداب بجامعة عدن، كما أفعل كل يوم، محمّلاً بعاداتي الصغيرة: انضباط الوقت، حب المكان، وإيمان راسخ بأن المعرفة يمكن أن تكون حصناً في وجه الفوضى. لم تمضِ دقائق حتى دوّى صوت الرصاص. في البداية، بدا الأمر كأحد الاشتباكات العابرة التي اعتدنا سماعها في شوارع المدينة، لكن الصمت الذي تلا ذلك كان أثقل من الرصاص ذاته… صمتٌ ينذر بأن شيئاً غير اعتيادي قد حدث.
في صباح ذلك اليوم المحفور في ذاكرتي وبعد دخولي بسيارتي من بوابة الكلية ودخول مكتبي بدقائق وانا أهم في فتح جهازي اللابتوب فاذا بي اسمع إطلاق رصاص كثيف من اتجاه بوابة الكلية افتكرتها اشتباكات في شارع الثقافة كالعادة . استمرت أصوات لعلعة الرصاص لمدة بضع دقائق ثم توقفت المعركة فخيم هدوء حذر فاذا بأحد موظفي ادارة الكلية يدق باب مكتبي بسرعة وهو يصرخ يا دكتور ، هجوم ارهابي على كليتنا أسرعت باتجاه البوابة فوجدت تجمع من الطلاب والموظفين وسكان الحي وأفراد من الشرطة فأخبروني بان سيارة جاءت بثلاثة ملثمين سألوا عني وأرادوا دخول الكلية بالقوة فترجل أحدهم لفتح بوابة الكلية إلا إن حارسي الكلية منعوهم من فتح البوابة فباشروهم بإطلاق النار عليهما وهما الحارس الشجاع شائع الحريري وزميله سالم المنصوري اشتبكا مع الإرهابيين فاستشهد شائع الحريري بعد أن اصاب الإرهابي المهاجم بطلقة مسدسه مما سهل الإمساك به وقد أصيب بذلك الهجوم الحارس الشجاع سالم المنصوري الذي نقلوه وزميله الشهيد الحريري إلى طواريء مستشفى الجمهورية. وقد ذهبت لزيارتهما في المستشفى بعد الهجوم مباشرة وكتبت يومها موقفي المندد بتلك الجريمة الإرهابية التي تركت أثارا سلبية غائرة في نفوس وعقول طلاب وطالبات ومعلمين وموظفين جامعة عدن عامة وكلية الآداب تحديدا وفي المدينة عامة. ولولا طلقة المسدس التي اطلقها الشهيد البطل شائع الحريري وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة لما تم القبض على ذلك الإرهابي الخطير بعد إن حصد وعصابته عشرات ارواح الضحايا في مدينة عدن فعصابته الارهابية ذاتها هي التي إغتالت أبن عمّي الشهيد البطل مفيد حمود محسن المحبشي، مدير الإرشيف السري في سجن المنصورة المركزي. رحمة الله عليه.
أتذكر تلك الأيام السوداء التي أعقبت تحرير عدن في 2015، حين كان الأمل كبيراً، لكن الواقع كان أكثر قسوة. في الأعوام (2016–2017–2018)، تحولت المدينة — التي كانت يوماً مرآة للحياة المدنية في اليمن — إلى فضاء مفتوح للخوف، حتى بدت وكأنها نسخة أخرى من مدن أنهكتها الحروب والفوضى. لم يكن يمر أسبوع دون عملية اغتيال أو تفجير، كبيراً كان أم صغيراً، وكان الضحايا دائماً من المدنيين العزّل. في تلك السنوات، لم تكن الأسماء مجرد أرقام في نشرات الأخبار، بل وجوهٌ وذكريات وحكايات مبتورة. اغتيلت الزميلة الدكتورة نجاة مقبل في شقتها مع ابنها الوحيد سامح في 17 مايو 2018، في جريمة صادمة هزّت الضمير الأكاديمي والإنساني. وقبلها، سقط الشاب عمر ياطويل، طالب في السابعة عشرة من عمره، في 26 أبريل 2016، بتهمةٍ عبثية: "الإلحاد". ثم أمجد عبد الرحمن محمد، الطالب في كلية الحقوق بجامعة عدن، والناشط المدني الذي أسس نادي الناصية الثقافي، اغتيل في 14 مايو 2017 لأنه اختار التفكير الحر ولم تكن عدن وحدها مسرحاً لهذا النزيف؛ فقد امتدت يد الإرهاب إلى صنعاء وعمران وصعدة وذمار وتعز وإب وغيرها، حيث اغتيل محمد عبدالله سعيد الشرعبي في أكتوبر 2017، وقُتل الشاب صدام لؤي شنقاً في 2020، في واحدة من أكثر الجرائم وحشية، بذريعة أفكارٍ أو مواقف. كانت التهمة دائماً جاهزة، والحكم يُنفذ خارج القانون، والعدالة غائبة أو مغيّبة.
في خضم هذا المشهد، لم يكن التهديد الذي وصلني حدثاً معزولاً، بل حلقة في سلسلة طويلة من الاغتيالات التي تجاوزت، بحسب تقديرات غير رسمية، أكثر من سبعمائة ضحية منذ التحرير. كانت مدينة بأكملها تعيش تحت ظل رصاصٍ مجهول، وملفات تُقيد ضد "فاعل مجهول"، في بيئة فقدت الحد الأدنى من الحماية المؤسسية.
فما أقسى العيش والعمل تحت التهديد والوعيد في بلد لا يوجد فيها ملاذ آمنا غير للحاكم وأعضاء حكومته وبعض قيادات الأجهزة العسكرية والأمنية المحمية بالعتاد الثقيل فضلا عن العصابات المسلحة التي تعرف كيف تدبر أمورها! في بيئة منفلتة العدالة والنظام والقانون والأمن والحماية والسلام الاجتماعي العام والفردي، فاغلب سكان عدن من المدنيين العزل وليس بمقدورهم حماية أنفسهم بأنفسهم وانّا منهم واليهم ومثلهم ولن ارضي باي حماية خارج المؤسسات الوطنية العامة رغم العروض الكثيرة التي تلقياتها من أهلي وأصدقائي واصهوري في عدن ولحج وأبين وشبوة وحضرموت. وأنا لست جبانا ولا أخاف غير الله الواحد الأحد الحق الصمد، فهو وحده الخالق والقابض للأجساد والأرواح، ولكنني أخشى الظلام والغدر في بيئة مضطربة ومختلطة الأوراق والحدود والقيم. ومبعث قلقي من هذا التهديد الخطير، يكمن في كونه يأتي في سياق حالة غير مسبوقة من مسلسل جرائم الاغتيالات خارج القانون، في مدينة عدن منذ تحريرها والتي بلغت حدا مهول أكثر من ٧٠٠ شخصا من خيرة الكوادر والقيادات السياسية والأكاديمية والعسكرية والمدنية والدينية والمثقفة والشبابية الناشطة لقوا حتفهم في وضح النهار.
قبل أن أكون هدفاً لذلك الهجوم الإرهابي في كلية الآداب، كنت — وما زلت — صوتاً يكتب يومياً ضد التطرف والإرهاب. لم تكن كتاباتي ترفاً فكرياً، بل محاولة مستمرة لفهم هذا الخراب وكشف جذوره. في مقالاتي المنشورة آنذاك، ومنها مقال في صحيفة "عدن الغد"، دعوت بوضوح إلى استعادة الدولة، وإلى بناء منظومة أمنية تستند إلى القانون لا إلى القوة العارية، وإلى حماية الحياة المدنية بوصفها جوهر الصراع الحقيقي.
وقبل أيام قليلة فقط من محاولة اغتيالي، كتبت مقالاً بعنوان "وجدت الكلية خاوية على عروشها"، لم أكن أعلم حينها أنني أكتب نصاً استباقياً لواقعٍ سيصبح أكثر قسوة. وصفت فيه حالة الفراغ التي بدأت تتسلل إلى مؤسساتنا التعليمية، والخوف الصامت الذي أخذ يفرغها من معناها. كان ذلك المقال، دون قصد، نبوءة صغيرة بما سيحدث لاحقاً.
كنت أكتب، مدفوعاً بقناعة فكرية وعلمية، عبّرت عنها في دراستي حول الأمن والتنمية في عدن: أن الإرهاب ليس ظاهرة معزولة، بل نتيجة طبيعية لانهيار منظومة الأمن بمعناها الشامل. فالأمن — كما عرّفته — ليس فقط غياب الخوف، بل حضور الطمأنينة، وهو لا يتحقق إلا بحماية المصالح الحيوية للإنسان: الغذاء، العمل، التعليم، الصحة، والكرامة.
لقد أكدت التجربة في عدن أن غياب هذه الشروط يفتح الباب واسعاً أمام العنف. فحين يجوع الإنسان، ويخاف، ويُحرم من أبسط حقوقه، يصبح المجتمع هشاً، قابلاً للاختراق من قبل جماعات متطرفة تستثمر في اليأس وتحوّله إلى عنف. وهذا ما يجعل العلاقة بين الأمن والتنمية علاقة عضوية لا تنفصم: فلا أمن بلا تنمية، ولا تنمية بلا أمن.
ما فعله الإرهاب في عدن لم يكن مجرد سلسلة من الجرائم، بل عملية تفكيك منهجية للنسيج الاجتماعي: نشر الخوف، اغتيال الكفاءات، ضرب الثقة بالمؤسسات، وتحويل الحياة اليومية إلى حالة ترقب دائم. لقد أعاد تشكيل وعي الناس، ودفع الكثيرين إلى الصمت أو الهجرة أو الانكفاء على الذات.
الهجوم الذي استهدفني لم يكن سوى انعكاس مباشر لهذا الواقع. لكنه، paradoxically، لم يدفعني إلى التراجع، بل إلى مزيد من الإصرار. لأن الصمت، في مثل هذه الظروف، ليس حياداً، بل انحياز غير مباشر إلى العنف.
بعد ثماني سنوات، ما زلت أستعيد تلك اللحظة لا كذكرى شخصية فقط، بل كعلامة في مسار مدينة تبحث عن خلاصها. مدينة تستحق أن تستعيد وجهها الحقيقي: مدينة للعلم، للحياة، للتنوع، لا للخوف والاغتيال.
إن عدن لا تحتاج فقط إلى إدانة الإرهاب، بل إلى مشروع متكامل يعيد بناء الإنسان قبل المكان، ويؤسس لأمنٍ إنساني حقيقي، حيث يشعر كل فرد أنه محمي بالقانون، لا مهدد به. لأن المدن لا تموت بالرصاص فقط… بل بالإهمال وتدهور الموسسات العامة وهذا هو الحال دائما السلوك قبل الوعي، والنظام قبل الكلام والفعل قبل الانفعال فإذا تغيرت الشروط المادية لحياة الناس وتحسنت فرص عيشهم بما يشبع حاجاتهم الاساسية فربما تتغير افكارهم وأفعالهم وتفاعلاتهم وأنماط علاقاتهم الاجتماعية وقيمهم وسلوكهم إذ أن أفكار الناس تنبع من واقع علاقاتهم الاجماعية في عالم الممارسة اليومية والسؤال هو: لا ماذا يفعل الناس؟ ويعتقدون ويقولون؟ بل لماذا يفعلون ما يفعلونه ويقولون ما يقولونه؟ فالتعليم لوحده لا يكفي لقوام السلوك البشري والدين وحده لا يكفي لصلاح الكائن الإنساني بل لابد من شروط صالحة للعيش الكريم وأنا أميل إلى نظرية المدرسة السلوكية في علم النفس التي خلاصتها : أعطني بيئة صالحة للعيش الكريم اعطيك شعباً سوي السلوك! وحينما لا توجد مرافق صحية في المدارس والجامعات مثلا؛ من الصعب تعليم التلاميذ والطلاب قيم النظافة وحينما يُحرم سكان المدينة من خدمات الحياة الأساسية( الغذاء والماء والكهرباء والصحة والتعليم والمواصلات والأمن والأمان) فمن الصعب عليهم التفكير في مستقبل اوطانهم وازدهارها. وهكذا هو الحال دائما الفعل قبل الوعي والنظام قبل الكلام. وحاجة الناس إلى مثُل عليا للسلوك أكثر من حاجتهم إلى تعاليم ومواعظ أخلاقية أو دينية أو سياسية. والأيديولوجيا تعني أن الناس يفكرون من اقدامهم ! والثقافة بالمعنى الانثروبولوجي؛ هي ما يبقى بعد نسيان كل شيء! بمعنى أن الوعي إذا لم يترسخ في السلوك ويكتسب صفة العادة لا يصمد كثيرا في مواجهة تحديات الحياة الواقعية ، وحينما يتكرر الفعل والسلوك مرات كثيرة يصير عادة وحينما تترسخ العادة تصير ثقافة. والوعي لوحده لا يغير حياة البشر وحاجة الناس الى مثُل عليا للسلوك اكثر من حاجتهم الى المواعظ والتعاليم والنصائح. والجماعة السياسية إلى ترغب في قيادة الناس لا تكلمهم عن ذاتها ونواياه فيما سوف تفعله من أجلهم بل عليها فعل ذلك بصمت وبلا ضجيج عبر المؤسسات وليس عبر الأشخاص..
والناس هم الذين يقومون بتشكيل مؤسساتهم العامة ثم تقوم هي بتشكيلهم فكيفما كانت مؤسساتهم يكونون ولا سحر في التاريخ ولا مصادفة في الطبيعة. لا الأخلاق ولا المواعظ ولا التقوى ولا الدين ولا الثقافة ولا الحب ولا الانتماء ولا النوايا الطيبة يمكنها أن تصنع النظام في أي مكان أو زمان في هذا العالم. النظام والانضباط هو ابن الدولة والقانون الذي ليس له لا قلب ولا عيون! هو سيد الجمع بلا استثناء. ولا وحدة ولا اتحاد ولا اجتماع ولا اندماج بدون مؤسسة دستورية قانونية جامعة وعادلة ومستقرة إلا في قلوب القوى الناعمة فقط. والناس بدون قانون ومؤسسات وعيونهم الى الأرض أشد فوضى وانحطاط من الحيونات. والأشخاص يأتون ويذهبون بينما المؤسسات هي وحدها التي يمكنها أن تدوم إذا وجدت من يتعهدها بالحفظ والحماية والصون والتنمية..
إلى ارواح شهداء تحرير عدن وضحايا الانفلات الأمني والتجويع والتدمير المنهجي للمدينة واهلها الكرام🕊️
هل تناسى الفجر موعده ؟
من آخر الأحزان
يأتي الموت
في ليل الفجيعة
صامتا متسللا
لا خوف يحمله
ولا وجع الممات
يأتي ويمضي
خلسة فينا
وفي أحبابنا
والكائنات
من خارج المعنى
ومن كل الجهات
لا دمع يُذرف في
العيون الشاردات
لا حزن في الأعماق
يتأسى على الأحياء
والأموات في
مدن الشتات
الآن والأسماء
تشبه بعضها
والنَّاس ترقب صمتها
صمت القلوب الواجفات
في هذا الساعات
من خوف المدينة
وحدي أجر الخطو
صوب البحر والأمواج
اسألها بصوت هامس
ماذا جرى للحوريات؟
دقيقة مرت وآخر
بانتظار الرد
ومرت الساعات
لكن لا أحد
موحش هذا السٌبات
وفِي سماء البحر
المحٌ ومض أنجم خافتات
هل ضاقت الكلمات بالمعنى
أم إن المعاني خائفات
لا شي في ليل المدينة
غير أصوات البنادق
والقنابل ساهرات
لا نوم يأتي في عيون الخوف
منذ الفجر أرعبها وبات
الآن أسمع صوت
بعض الطائرات
من أي نافذة يطل الشر؟
في عدن المباحة للبغاة
الصمت خيم والشوارع
والمقاهي مقفترات
لا شيء في هذي المدنية أمن
الموت في كل الزوايا
والمنايا نافذات
هل تناسى الفجر موعده؟
أم أن الليالي سادرات
أجابني صوت من الذكرى
ماذا يفيد الفجر غير
أَلَمُّوت بالمتفجرات
هل ضاقت الرؤية
وضاق الحرف والمعنى
عن فهم الرزايا النازلات؟
عطشان يا نهر الفرات
لا نجمة في الليل
تنعشني بضحكتها
ولا سكر وقات
صحراء من كل الجهات
فينيقة البركان تهمد
ربما لحظات لتبّرح جرحها
تتحسس الضربات
في أطرافها والغائرت
وتستعيد العزم والتصميم
من بعد الحروب الداميات
لكنها لن تنثني أبدا
مثل انثناء العاهرات
فينيقة البركان
والبحر العميق
غدا ستعاود التحليق
كطائر العنقاء تنهض
من هشيم النار
من بين الرفات
لتكتب مجدها المنظور
في كل المعاني واللغات
كم أحبك يامدينة يا حميمة
حائزة كل الصفات
لعدن السلامة والنجاة
قاسم المحبشي
عدن اكتوبر ٢٠١٧م..