ما خاب من استشار؟ ..وليس هناك ما هو أفضل من العقل مشير ومستشار..

الخميس - 12 مارس 2026 - 11:40 م


بروفيسور قاسم المحبشي
بقلم: بروفيسور قاسم المحبشي
ارشيف الكاتب


الاستشارة الفلسفية، الفلسفة التطبيقية، العيادة الفلسفة، العلاج بالفلسفة، الطب الفلسفي.. الخ من المفاهيم التي ارتبطت بظهور الحركة المعاصرة في الفلسفة التطبيقية التي كرست اهتمامها بالممارسة العملية المقدمة مثلها مثل الممارسة في علم النفس والخدمة الاجتماعية. فاذا كان الطبيب العضوي هو طبيب الجسد ووظائفه والطبيب النفسي هو طبيب النفس وتقلباتها والممارس الاجتماعي هو طبيب المجتمع ومشكلاته فكذلك هو الطبيب الفلسفي طبيب العقل واحواله.

اليوم سيكون يوما تاريخيا في الثقافة العربية إذ لأول مرة ينعقد مؤتمرا عن الاستشارة الفلسفية والعلاج بالفلسفة في الجمعية الفلسفية المصرية. وورقتي ستكون في الجلسة الثانية بعنوان ( الاستشارة الفلسفية والوعي الانعكاسي) واليكم ملخص الفكرة


تنطلق فكرة الاستشارة الفلسفية من فرضية؛ أن الأفكار والمعتقدات تؤثر في سلوك الناس، إذ يسلك الناس وفقا لما يعتقدون. فإذا اعتقدت جماعة من الجماعات بأن ما تراه وتقوله وتعتقده هو الحقيقة وما عداها باطلا فليس ثمة قوة في العالم يمكن أن تجبرها على تغيير معتقدها. وإذا أعتقدت أن الناس أشرارا ويضمرون لك الحقد والانتقام فمن المؤكد بإن علاقاته بالمجتمع ستضطرب. وإذا اعتقدت أنك تعرف كل شيء ولا تحتاج إلى معرفة المزيد فمن المؤكد بإنك ستكف عن القراءة والتفكير. وإذا أعتقدت بأنك أفضل خلق الله فمن المؤكد بإنك سوف تحتقر الآخرين. وإذا اعتقدت أن النساء يجلبن النحس والهلاك فمن المؤكد بإنك لن تفكر بالزواج. وإذا أعتقدت أن هذا العالم مسكون بالجن والشياطين فلن تجرؤ على الخروج من منزلك.وإذا أعتقدت بأن بيتك مسكون بالأرواح الشريرة فلن تستطيع النوم فيه، وإذا أعتقدت أنك المدافع الأمين عن دين رب العالمين فسوف ترى بكل من يخالف أعتقادك كفرة وشياطين ومأواهم النار وبؤس المصير! وإذا أعتقدت أن الناس في ضلال عظيم وأنك معني بهدايتهم إلى الطريق القويم فأمامك خيارين؛ الأول هو إقناعهم بالتي هي أحسن وجعل من ذاتك مثلا اعلى للصدق والاستقامة والأمانة والزهد والتواضع والصبر والشفقة والرحمة والتسامح والعدالة والرحابة وكل القيم الفاضلة الجاذبة للناس لجعلهم يقتدون فيك. والثاني؛ أن تشحذ سيفك وتعلن الجهاد تحت أي رأيه تحبها حتى تتمكن من جعل الجبناء من الناس يؤمنون وهو صاغرون لكنهم غير مقتنعين ويتحينون الفرصة للثأر والانتقام وهكذا تتغذى الحروب والأيديولوجية من داخل دائرتها المغلقة. هذا في مجال الاعتقادات والاراء والأفكار التي لا تحتمل القياس والبرهان التجريبي ، أما في العلم والمعرفة العلمية فالحقائق موضوعية ومحايدة ومختبرة ومجربة في عالم الممارسة والمشاهدة بالاستقراء المباشر. فالقول بإن كل الغربان سوداء، يمكن أبطاله إذا ما أكتشفنا إن بعض الغربان بيضاء. والقول: إن كل البشر حيونات عاقلة ، لا يمتلك قوة الحقيقة العلمية طالما وأن الكثير من البشر لا يتصرفون بحسب معايير العقل والحس السليم. وهكذا هو الحال دائما مع الناس والمعتقدات والأفكار. وكما هو الحال في الطب النفسي المعني بعلاج اختلالات نفوس الأفراد وما يصيبها من علل القلق والفصام والاكتئاب والوسواس والرهاب والهستيريا وغيرها فكذلك تضطلع الفلسفة بعلاج اختلالات العقل واضطرابات التفكير فعلى الرغم من أن العقل هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس بحسب ديكارت إلا أن الاختلافات بينهم تكمن في طريقة استخدام عقولهم في التعامل مع واقعهم. وقد بينت الدراسات الميدانية أن كثير من الممارسات والسلوكيات التي يسلكها الناس ليست عقلانية بالضرورة إذ أكدت نظرية التحليل النفسي بإن الذات الإنسانية تشتمل على ثلاثة عناصر الأنا والهو والهي. الأنا الواعية المحكومة بمبدا الواقع والهو الغريزة المحكومة بمبدا اللذة الليبدو بحسب فرويد والأنا الاعلى المحكوم بالضمير والإيمان الديني والقيم الاجتماعية. وربما كان افلاطون في اسطورة الكهف هو أول فيلسوف يكشف أثر الحياة والعلاقات الاجتماعية في سلوك الإنسان المندمج في مجتمعه والمتكيف مع واقعه الذي وجد ذاته فيه وهذا ما يسمى القصور الذاتي يتجلى في مقاومة تغيير الأفكار المالوفة والاكتفاء بالتصورات والمعتقدات المورثة والمتناقلة عبر الأجيال منذ آلاف السنين بوصفها نسقا من الاستعدادات المُكتسبة بالتربية والتعليم والثقافة والممارسة الاجتماعية التي تحدد سلوك الفرد ونظرته إلى نفسه وإلى الآخرين والحياة و الكون، وهو أشبه ما يكون بطبع الفرد أو بالعقلية التي تسود في الجماعة، لتشكل منطق رؤيتها للكون والعالم. وهذا هو ما يسميه بيير بورديو ب هابيتوس. ورغم أن الانسان كائنا عاقلا إلا انه يقوم التفكير كما تقاوم القرود السير على قدمين إذ أن التفكير العقلي هو ممارسة تستدعي الحيرة والقلق والتوتر والشك والتساؤل فقد يعيش الناس الالف السنين في إطار عطالتهم الثقافية والسيكولوجية دون التساؤل عن معناها. وفي الذات الإنسانية آليات دفاع سيكولوجية أو استراتيجيات نفسية يستخدمها العقل الباطن لحماية الفرد من التوتر الناجم عن الأفكار أو المشاعر التي تجلب القلق والحيرة. ومنها: 1-الكبت أو القمع محاولة دفن أو إخفاء الأحاسيس أو الأفكار المؤلمة من وعى الإنسان، وهذه الأحاسيس أو الأفكار بدورها قد تعود لتظهر علي السطح بصورة رمزية. 2-التماهي(التوحد) وهو إدماج موضوع أو فكرة أو التوحد والتقارب اللاواعي مع الأشخاص الذين يحملون نفس الأفكار. 3-التبرير وهو محاولة إيجاد سبب منطقى للسلوكيات أو الدوافع عن طريق اعطاؤها مبررات أو أسباب مقبولة، وبصفة عامة فإن القمع(الكبت) يعتبر الأساس أو القاعدة التي تنبع منها معظم الآليات الدفاعية الأخرى. ويمكن تعميم قانون القصور الذاتي على مختلف الظواهر الاجتماعية والثقافية فالميل إلى مقاومة التغيير هو ميل عام عند المجتمعات البشرية مبعثه الحفاظ على العادات والتقاليد والخوف من المجهول.وقد رصد فرانسيس بيكون أربعة أوهام تصيب العقل هي: أوهام القبيلة” تتصل بالطبيعية البشرية بوصفها مقياسا لجميع الأشياء. ومن ثم فأفكارنا هي صور عن أنفسنا أكثر من كونها صور للأشياء. ومن طبيعة الفهم الإنساني أنه يفرض في الأشياء التشابه أكبر مما يجده فيها.اختلاف. وأوهام المسرح: ومصدرها السلطة المعنوية للشخصيات الشهيرة أو سلطة المعتقدات القديمة.... وتتمثل هذه الأوهام في الحالة التي نقوم فيها بالاعتقاد من دون وعي بشيء ما فقط لأن قائله فلان أو أن يتحول رأي فلان إلى حجة غير قابلة للنقد أو التشكيك... لذلك سماها بيكون أوهام المسرح لأنها تتربع على خشبة مسرح الأفكار بوصفها نماذجا مقدسة ممثلة للحق والحقيقة المطلقة على غرار أن المثل السائر: الأسلاف لم يتركوا شيئا للأخلاف!...