كونوا معنا بالمهرجان الدولي للمرأة والسينما
غدا في دنهاخ ومحاضرتي ستكون عن مخاطر
العنف والتمييز ضد المرأة بين الواقع والتمثيل ...
" حينما يتكرر السلوك يتحول إلى عادة، وحينما تترسخ العادة تصير ثقافة" ق. م.
هذه الحقيقة البسيطة تفسر الكثير مما نعيشه اليوم في مجتمعاتنا، خصوصًا حين نتحدث عن العنف والتمييز ضد المرأة. فالعنف ليس مجرد حادثة عابرة أو فعل فردي معزول، بل هو منظومة معقدة من الممارسات والقيم والرموز التي تتسلل إلى الحياة اليومية حتى تصبح جزءًا من البنية الثقافية للمجتمع.
العنف في جوهره هو كل سلوك عدواني يمارسه إنسان أو مؤسسة ضد فرد أو جماعة، ويؤدي إلى إلحاق أذى جسدي أو نفسي أو اجتماعي. لكن الخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في العنف المادي المباشر، بل في نوع آخر أكثر خفاءً وتأثيرًا، وهو ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو العنف الرمزي. هذا العنف لا يمارس عبر القوة الجسدية، بل عبر اللغة والصور والأمثال والعادات والتقاليد والخطابات الإعلامية، أي عبر الثقافة نفسها.
العنف الرمزي يعمل بصمت. فهو يزرع في الوعي الجمعي تصورات تبدو طبيعية وبديهية، حتى إن الضحية نفسها قد تتبناها دون أن تشعر بأنها تتعرض للظلم. وهنا تكمن المفارقة التي تحدث عنها بورديو، حين يشترك الضحية والجلاد في الإيمان بالتصورات ذاتها عن العالم، فيتحول التمييز إلى أمر مألوف، بل أحيانًا إلى قيمة اجتماعية مقبولة.
ومع تكرار هذه الممارسات عبر الزمن تتشكل ما يسميه بورديو الهابيتوس، أي منظومة الاستعدادات الذهنية والثقافية التي توجه سلوك الأفراد ونظرتهم إلى أنفسهم وإلى الآخرين. فالإنسان لا يولد وهو يحمل هذه التصورات، بل يكتسبها تدريجيًا عبر التنشئة الاجتماعية، منذ الطفولة وحتى الشيخوخة.
في مجتمعات شهدت عقودًا طويلة من الصراعات والحروب والأزمات، يصبح العنف جزءًا من التجربة اليومية. ومع كثرة تكراره في الواقع والإعلام ووسائل التواصل، يتحول شيئًا فشيئًا إلى مشهد مألوف. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: حين يتكيف الناس مع العنف ويستبطنونه في وعيهم وقيمهم وسلوكهم.
إن الأجيال التي تنشأ في بيئة يغمرها العنف لا تراه دائمًا كظاهرة استثنائية، بل كجزء من الحياة الطبيعية. وكلما طال التعايش مع هذه الظاهرة، ازدادت احتمالات تحولها إلى ثقافة اجتماعية راسخة.
وفي قلب هذه الدوائر العنيفة تقف المرأة غالبًا باعتبارها إحدى أكثر الفئات تعرضًا للانتهاك. فالعنف ضد النساء ليس مجرد مسألة فردية أو عائلية، بل ظاهرة اجتماعية عميقة الجذور. وهو يشمل كل فعل قائم على أساس الجنس يؤدي إلى إلحاق أذى جسدي أو نفسي أو جنسي بالمرأة، سواء حدث ذلك في المجال الخاص أو في الفضاء العام.
ويتخذ هذا العنف أشكالًا متعددة: من الضرب والإكراه والتحرش والاستغلال، إلى الإقصاء من مواقع القرار والحرمان من الفرص الاقتصادية والتعليمية. لكن الأخطر من كل ذلك هو العنف غير المرئي، العنف الذي يتسلل عبر الثقافة والصورة والخطاب.
هنا تبرز أهمية الدراما بوصفها إحدى أقوى الأدوات التي تشكل الوعي الاجتماعي. فالدراما ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل هي مساحة لإنتاج المعاني الثقافية وتشكيل التصورات الجماعية عن العالم. وعندما تتكرر صور معينة للمرأة في الأعمال الدرامية، فإنها لا تبقى مجرد شخصيات خيالية، بل تتحول إلى نماذج ذهنية تؤثر في طريقة فهم المجتمع لدور المرأة ومكانتها.
لقد اعتادت كثير من الأعمال الدرامية العربية، عبر عقود طويلة، على تقديم المرأة في صور نمطية محدودة: المرأة الضحية، المرأة التابعة، المرأة التي تختزل قيمتها في الجمال أو العلاقات العاطفية. ومع كثرة تكرار هذه الصور، تتحول إلى جزء من المخيال الاجتماعي، فتساهم – من حيث ندري أو لا ندري – في إعادة إنتاج العنف الرمزي ضد المرأة.
لكن المشهد الثقافي اليوم يشهد تحولات جديدة مع صعود التكنولوجيا الرقمية، وخاصة الذكاء الاصطناعي. فهذه التقنيات لم تعد مجرد أدوات تقنية، بل أصبحت فاعلًا ثقافيًا جديدًا يشارك في إنتاج الصور والقصص والخطابات.
الذكاء الاصطناعي يتعلم من البيانات التي نغذيه بها، وهذه البيانات تعكس في كثير من الأحيان تحيزات المجتمع نفسه. لذلك فإن الخوارزميات قد تعيد إنتاج الصور النمطية ذاتها، وربما تعززها أحيانًا بصورة غير مقصودة. فعند توليد الصور أو النصوص، قد تظهر النساء في أدوار تقليدية محدودة، أو يتم ربطهن بمهن أقل مكانة، أو تقديمهن وفق معايير جمال غير واقعية.
ومع تطور تقنيات التوليد البصري والوسائط الاصطناعية، ظهرت أيضًا مخاطر جديدة مثل التلاعب بالصور أو إنتاج محتوى مزيف يستهدف النساء. وهذا يفتح نقاشًا واسعًا حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ومسؤولية المصممين والمنتجين الثقافيين في بناء أنظمة أكثر عدالة ومع ذلك، فإن هذه التقنيات نفسها يمكن أن تتحول إلى أدوات إيجابية إذا تم استخدامها بوعي. فالدراما الرقمية والذكاء الاصطناعي قادران أيضًا على تقديم نماذج نسائية أكثر تنوعًا وعمقًا، وعلى كسر الصور النمطية التي ترسخت عبر عقود طويلة.
إن تحرير صورة المرأة في الثقافة البصرية – سواء في الدراما أو في الفضاء الرقمي – ليس مجرد مسألة تمثيل إعلامي، بل هو جزء من معركة أوسع تتعلق بالعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية فالمجتمع الذي تُحترم فيه المرأة وتُمنح فيه فرصها الكاملة هو مجتمع أكثر توازنًا وإنسانية. ولعل إحدى أبسط الحقائق الاجتماعية تقول إن وضع المرأة في أي مجتمع هو مرآة حقيقية لدرجة تحضره ولهذا يمكن القول إن التحدي الأكبر أمامنا اليوم ليس فقط مواجهة العنف في الواقع، بل أيضًا مواجهة العنف الكامن في الصور والخطابات والتمثيلات الثقافية. لأن العنف حين يتحول إلى ثقافة يصبح أكثر رسوخًا وخطورة.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، تصبح مسؤوليتنا مضاعفة؛ فالتقنيات الجديدة يمكن أن تكرس التحيزات القديمة أو تساعدنا على تجاوزها. والاختيار في النهاية يعود إلى الطريقة التي نستخدم بها هذه الأدوات.
إن المستقبل الذي نحلم به لا يبدأ فقط بتغيير القوانين، بل يبدأ أيضًا بتغيير الصور التي نحملها في أذهاننا عن الإنسان والمرأة والعالم.
فكل مجتمع يستطيع أن يقاس بميزان بسيط:
كيف ينظر إلى نسائه؟ وكيف يروي قصصهن؟
لأن المجتمع الذي تكون فيه المرأة سعيدة وآمنة هو، في النهاية، مجتمع أكثر سعادة وإنسانية للجميع....