وصلت بغداد في 10 يناير 2000م بعد انتهى الفصل الدراسي الأول للسنة التحضيرية للدكتوراه. كنت مثل الاطرش بالزفة! وأنا أبحث عن قسم الفلسفة ، كلية الآداب بجامعة بغداد، باب المعظم. إذ لاول مرة في حياتي ازورها، بغداد مدينة مترامية الأطراف وأكبر المدن العربية مساحة فضلا عن ازدحامها بالسكان وعمقها التاريخي المهيب. فمن أي الأبواب ينفتح المشهد؟ ومن أي النوافذ يمكن الأطلال على هذه الواحة الوافرة الظلال؟ ومن أي الأسوار الشاهقة يمكن مقاربة المعنى في موطن جلجامش العظيم حيث يتلفح التاريخ بالأسطورة ويمتزج الحاضر بالماضي المستمر وتتعايش الأعماق مع الأفاق. ثمة أشياء واشياء خفية تشدني إلى مواطن الحضارات النهرية واولها الحضارة المصرية الراسخة في أعماق التاريخ ، وحضارة بلاد الرافدين والكنعانيين، وحضارات الهند والصين واليونان وروما. ربما كان ذلك الانشداد الآسر للحضارات النهرية والبحرية الخالدة بحافز تخصصي في فلسفة التاريخ والحضارة ودوافع كثيرة أخرى لا أعلمها! إذ اشتغلت ولازالت منشغلا في مسيرة المغامرة التاريخية للإنسان العاقل منذ فجر التاريخ البشري العام. وها أنا قد وصلت عاصمة الحضارة العربية الإسلامية وموطن حضارات بلاد الرافدين( سومر وأكد وبابل وأشور وكلدان) وشاهدت اثارها التاريخية الخالدة ( أطلال حدائق بابل المعلقة وثور أشور المجنح وأسد بابل. في العرق شعب ودود ويكرم الغريب ويدله على ما يبحث عنه. أوصلني التاكسي إلى بوابة المجمع الأكاديمي في باب المعظم ( كلية الآداب والتربية والإعلام والآثار واللغات .الخ) وصلت مع الساعة التاسعة والنصف صباحا وتوجهت إلى قسم الفلسفة ووجدت الدكتور سهيلة علي رئيس القسم حين ذاك أعطيتها اوراقي ورحبت بي وقالت لي: لن تتمكن من الالتحاق العام الحالي . عليك الانتظار حتى شهر سبتمبر العام القادم 2001م دارت بي الأرض سبع دورات وأنا أسمعها تقول ذلك ببرودة قاتلة ! قلت له: منحتي محددة من هذا العام ولن استطيع التأخير .. ردتي طلاب الدفعة أكملوا الفصل الأول في السنة التحضيرية وعليك الانتظار حتى نستقبل الدفعة القادمة .. واضافة دع أوراقك وشهادات حتى نعرضها في اجتماع القسم لعمل مقاصصة للمواد المستنهجة .
تركت ملفي وخرجت اجرى الخطى على غير هدى وذهبت ابحث عن الزملاء في برنامج الدكتوراه كانوا نخبة اتذكرهم ( طارق ، وعادل ، وزينب والشيال وسدير وفرات ، وعلي جبار ، وولاء مهدي ومحمد الخالدي ومحمد فاضل وهبة عادل عزاوي ) كان الزميل العزيز طارق خميس الدليمي هو أول من قابلته، شاب ثلاثيني مرتب ويوحي بالثقة والجدية . رحب بي وحياني وعرفني على الزملاء والزميلات العزيزات واخذني بسيارته الحمراء في جولة وسط بغداد. زرنا خلالها جامعة المستنصرية وبين الحكمة العباسي ثم ذهبت إلى السعدون لتناول وجبة الغداء في مطعم حضرموت ؛ المطعم اليمني الوحيد في بغداد.
منذ ذلك اللقاء وعلاقتي مع طارق تتعمق وتزداد عراها الأخوية. هو ملتزم بلا تشدد إذ وعد اوفى وإذ قال فعل فضلا عن خبرته الواسعة بدهاليز الجامعة وعلاقاته الطيبة مع الجميع. شكيت عليه وضعي وموقف القسم من التحاقي بالبرامج فقال لي : هون عليك يا رجل! سوف تلتحق معنا بهذا العام إن شاءالله ورسم لي خطة المتابعة والحركة بين القسم والجامعة وخلال أسبوعين من المداولات والرسائل المتبادلة تم قبولي في الفصل الثاني مع زملائي في الدكتوراه ولكن مجلس القسم كلفني باستنتاج ستة مواد مع طلاب الماجستير، فكان عليا تنسيق مواعيد المحاضرات مع الدكتوراه والماجستير في فصل واحد. وضع مرهق جدا ولكنني كنت عند مستوى التحدي بفضل تعاون الأساتذة الأفاضل والزملاء الأعزاء. كان الدكتور طارق يسكن في سلمان بك (أيوان كسرى) على بعد ساعة من بغداد ويأتي بسيارته كل يوم تقريبا. كان يمتلك بستان ومزرعة ماشية في سلمان بك وحينما اخبرته إنني أحب الحليب والزبادي كان يهديني حلتين زبادي وحليب كل أسبوع لا الذ منه ولا أشهى، كانت والدته العزيزة رحمة الله عليها هي التي تعتني بالحليب والزبادي وتحضيره. ذات يوم عزمنا أنا والزملاء فضل الربيعي وزيد قاسم الشطيري إلى ضيعتهم في سلمان بك طريق المفاعل النووي العراقي الذي دمرته إسرائيل في 7 يونيو 1981، فيما عرف بعملية أوبرا. ذهبنا مع طارق بسيارته الحمراء وأخذنا في جولة سياحية بأطلال المدائن
ايوان كسرى، عاصمة الامبراطورية الفارسية حتى معركة القادسية. أطلال مذهلة لازالت شاهدة على فخامة الامبراطورية. ثم عدنا إلى دار الدكتور طارق خميس الدليمي العامر وسط البستان فوجدنا والده وأخوانه وياسين ابن خاله في استقبالنا. استقبلونا بحفاوة وغمرونا بكرم الضيافة. تغدينا وأخذنا في جولة خارج المدينة في منطقة شبه صحراوية حيث توجد مزارع الأسماك . اطلعنا على مزارع اسماك العائلة وحدثنا عن كيف يتم زراعتها وتربيتها وبيعها.
فاعجبتني الفكرة وحينما استلمت المبلغ المخصص من السفارة طلبت من الزميل طارق المشاركة في زراعة الإسماك فرحب بالفكرة واعطيته مبلغ 300000 عراقي وتكفل بالشراء والزراعة مشكورا ثم انشغلنا بالامتحانات ولم اعد اتذكر مزرعة الاسماك ابدا. فاذا بالزميل العزيز طارق يفاجأني في صبيحة أحد الايام البغدادية الجميل في عمارة المظفر بحلة زبادة وظرف فيه مليون دينار عراق ..قال لي بابتسامة الواثق الراضي هذا نصيبك من ثمار السمك. شكرته وحمدت ربي وكدت اطّير من الفرح بسب حاجتي الماسة للمبلغ.
طبعا ذلك اليوم قررت إن اعزم صحابي على وجبة مندي يمني في المطعم الحضرمي. ذهبنا وعدنا إلى شقتي وشاهد طارق أدوات رياضة منها حديد للتدريب على حمل الأثقال بمختلف الأوزان. باوع باهتمام إلى الأجهزة الحديدية المتناثرة في الشقة
وسألني ما هذه الأجهزة ؟ قلت له: امارس رياضة لتخفيف الوزن وقال بكم اشتريتها ؟ قلت له: ب 💯 الف دينار عراقي . فضحك من قالبه وقال لي ايش بيك يامعود… تتغدى بعشرة الف دينار وتتخفف الوزن بمئة الف ههههههه صلي على محمد رسول الله خفف الأكل بلاش أحسن لك من هذا التعب المرهق. تلك النصحية الساخرة كلما ذكرتها ضحكت من قلبي. خالص محبتي للأستاذ الدكتور طارق خميس الدليمي ابو عبداللهTariq Ali استاذ الفلسفة المخضرم في جامعة تكريت العراقية العريقة...