ايران ومأزق التحديث والحداثة؛ صاروخ يرتدي عمامة...

الأربعاء - 04 مارس 2026 - 12:09 ص


بروفيسور قاسم المحبشي
بقلم: بروفيسور قاسم المحبشي
ارشيف الكاتب

بروفيسور قاسم المحبشي ...


" شرارة واحدة تكفي لإحراق هذا العالم" مثل فارسي


وأنا أبحث في مسألة الهوية والذات العربية وقع في يدي كتاب عالم الاجتماع الفرنسي جان فرنسوا بايار «أوهام الهوية» (1998)، في لحظة تاريخية كانت فيها العولمة تُقدَّم كقدر كوني، وكان خطاب “صدام الحضارات” عند صموئيل هنتنغتون يعيد رسم خرائط العالم لا بالاقتصاد أو السياسة بل بالثقافات الصلبة المتناحرة. كتب بايار يومها: «ليس هناك من دواعي قلق معاصر إلا وتثيره قضية الهوية». غير أن الإشكال، كما بدا لي، لا يكمن في التعريفات ذاتها، بل فيما تعنيه الهوية للفاعلين الاجتماعيين داخل سياقاتهم الميكرو-وماكروسوسيولوجية؛ أي في الكيفية التي تُستعمل بها، لا في ماهيتها المفترضة. هنا يقترب بايار من بندكت أندرسون حين رأى الأمم “جماعات متخيلة”، لا بمعنى الوهم الكاذب، بل بمعنى أن الأمة بناء سردي يُنتَج عبر الطباعة والتعليم والإدارة الحديثة. الهوية ليست جوهرًا سابقًا على التاريخ، بل أثرًا لتقنيات إنتاج المعنى داخل الدولة الحديثة.


وقد استوقفتني فكرة بايار المركزية: النظر إلى الهويات بوصفها استراتيجيات تتغير وتتشكل باستمرار من موارد تاريخية متعينة في سياقاتها المكزمانية. الثقافة، في تصوره، ليست مخزنًا نعود إليه لنستخرج “أصالتنا”، بل سيرورة حوار وتفاعل، تتبنى عناصر خارجية وتعيد صياغتها لتكوين هويات مركبة. بهذا المعنى يلتقي مع ميشيل دي سيرتو حين يقول إن “الثقافة هي ما يدوم وما يُبتكر”، فالأصالة نفسها تُنتج غالبًا لتلبية حاجات الحاضر. الهوية ليست مرآة للماضي، بل جهازًا تأويليًا ينتقي من التاريخ ما يدعم صراعات الراهن.


في ضوء هذه الرؤية يناقش بايار تجارب وطنية عديدة استخدمت “الهوية” لإعادة إنتاج السلطة، ومن بينها التجربة الإيرانية. فمنذ رضا شاه (1925) انخرطت الدولة في مشروع قومي لإحياء “الهوية الفارسية” كجوهر للأمة، عبر إعادة كتابة التاريخ واستحضار الرموز الأخمينية والساسانية، وتهميش مكونات إثنية وثقافية أخرى. غير أن هذا “الإحياء” لم يكن عودة طبيعية إلى أصل صافٍ، بل عملية تحديث سلطوية استخدمت الماضي كأداة سياسية. وحين زار ميشيل فوكو إيران عام 1978 رأى في الثورة لحظة قطيعة مع الحداثة الغربية، نوعًا من “الروحانية السياسية” التي تتجاوز عقلانية الدولة البيروقراطية. لكن التجربة اللاحقة كشفت أن الثورة لم تُلغِ الدولة، بل أعادت إنتاجها ضمن جهاز أيديولوجي جديد، حيث تماهى الديني بالقومي، وتحوّل الخطاب الخلاصي إلى بنية سيادية منضبطة.


بعد 1979 لم تُلغَ النزعة الفارسية بل أعيد ترميزها داخل هوية شيعية-ثورية تتخذ من الإسلام وسيلة لإعادة تموضع إيران في المجالين العربي والإسلامي. وهنا يتجلى “وهم الهوية” كما يسميه بايار: الامتزاج المتوتر بين رسالة أممية تدّعي نصرة المستضعفين، ونزعة قومية تستبطن مركزية ثقافية فارسية. تصدير الثورة، ودعم شبكات عابرة للحدود في العراق وسوريا ولبنان واليمن، لا يمكن قراءته فقط بوصفه تضامنًا مذهبيًا، بل أيضًا كاستراتيجية دولة تبحث عن عمق استراتيجي يقيها العزلة والعقوبات والتهديدات العسكرية. غير أن هذا التمدد، حين يُصاغ بلغة خلاصية شيعية، يتحول في المخيال الإقليمي إلى مشروع إمبراطوري مضمر، فتشتعل الحروب بالوكالة وتتفكك الدول الوطنية تحت ضغط الاستقطاب الطائفي. الحرب المشتعلة اليوم في أكثر من ساحة شرق أوسطية لا يمكن فصلها عن هذا التداخل بين الأيديولوجيا والمصلحة: فإيران ترى في نفسها قوة مقاومة تحاصر النفوذ الغربي والإسرائيلي، بينما يرى خصومها في تحركاتها تعبيرًا عن طموح إمبراطوري شيعي يعيد إنتاج مركزية فارسية بلباس ديني. وبين هذين التمثيلين تتكاثر الميليشيات، وتتسع دوائر العنف، ويُستدعى التاريخ لتبرير صراع جيوسياسي معاصر.


ولو استعرنا أدوات إدوارد سعيد، لأمكن القول إن تصوير الصراع كقدر حضاري محتوم يعيد إنتاج منطق الاستشراق، ولكن بصورة معكوسة؛ إذ يُختزل “الشرق” مرة أخرى في جوهر ديني-طائفي ثابت. أما هنتنغتون فيبدو وكأنه يجد في هذه الحرائق دليلًا متأخرًا على أطروحته، غير أن بايار يدعونا إلى الحذر: ما نراه ليس صدام حضارات، بل صراع دول ومصالح يُعبَّأ بخطاب الهوية. الهوية هنا ليست سببًا أوليًا، بل أداة تعبئة وتبرير، تُستخدم لإضفاء معنى أخلاقي على حسابات القوة.


وفي هذا السياق يلتقي بايار مع داريوش شايغان الذي رأى أن المجتمعات العالقة بين الحداثة والتراث تميل إلى تحويل الهوية إلى ملاذ نفسي يعوّض قلق الانتقال التاريخي. إيران المعاصرة تعيش هذا التوتر بحدة: دولة حديثة بمؤسسات معقدة واقتصاد مرتبط بالسوق العالمية، وخطاب ثوري يستحضر الماضي الإمبراطوري والرمزية الشيعية ليمنح الحاضر معنى كونيًا. غير أن تحويل هذا الخطاب إلى سياسة خارجية صدامية يفضي إلى عنف رمزي ومادي، لأنه يفرض سردية واحدة على فضاء تعددي بطبيعته، داخل إيران وخارجها.


إن أخطر ما في “وهم الهوية” أنه لا يكتفي بوصف العالم، بل يعيد تشكيله على صورته. حين تتحول الهوية إلى مشروع سيادي مغلق، تُختزل الكرامة في التفوق، ويُختزل الانتماء في الطاعة، وتُختزل السياسة في صراع وجودي دائم. وهكذا، بدل أن تكون الهوية أفقًا مفتوحًا للتفاعل، تصبح وقودًا لحروب لا تنتهي. ومن هنا تأتي راهنية بايار: الدفاع عن الهوية ينبغي أن يُستبدل بالدفاع عن الحقوق والتعدد والمواطنة، لأن الأمم لا تُبنى على وهم الصفاء، بل على إدارة الاختلاف داخل حدود العدالة.


إيران، إذن، ليست استثناءً في التاريخ، بل مثال كثيف على ما يفعله خطاب الهوية حين يتقاطع مع الدولة الحديثة والجغرافيا السياسية والاقتصاد المعولم. ليست “إمبراطورية عائدة” بالمعنى القدري، ولا مجرد ضحية استعمار دائم، بل فاعل تاريخي يستخدم الماضي لإعادة تشكيل الحاضر. وما نتعلمه من بايار، مع أندرسون وفوكو وسعيد وشايغان، أن الهوية ليست نارًا كامنة في الرماد تنتظر شرارة، بل مادة رمزية يعاد تشكيلها باستمرار؛ فإذا صدقنا أنها جوهر مطلق أشعلناها بأيدينا، أما إذا فهمناها كسيرورة مفتوحة، أمكن تحويلها من أداة صراع إلى فضاء إمكان...