قراءة في المائدة

الأحد - 22 فبراير 2026 - 02:24 ص


عمر الحار
بقلم: عمر الحار
ارشيف الكاتب

هذه قراءة في مائدة من الموائد الرمضانية، لا في السورة القرآنية العظيمة المقاصد والايمان.

قراءة في مائدة رمضانية بسيطة، تحمل مفاتيح للقلوب التي جثت عليها قسوة الزمان لدرجة يصعب تخيلها. بل ران عليها شيئا من المتاعب يصعب وصفها، لكنها مجبلوة بفطرتها الى الخير، مستجيبة لدواعيه في كل الاوقات. 

دفعني تساؤل اخوي وشخصي من معالي مرجعنا الديني العزيز، والاستاذ الجامعي المختص الدكتور علي الحضرمي عن المائدة، للكتابة عنها بروح ايمانية وسياسية معا. فمن الناحية الاولى لا تحصى فوائد موائد الرحمن لعباده، من كل الوجوه، وتلك لعمري سيجيد اهل الفضل والعلم  بالخوض في بحورها على النحو المرضي، خوفا من قصور الكلام، وعدم الاحاطة بافقه من الكلمات والافكار.

ومن الناحية من الناحية الإيمانية، هذه المائدة مدرسة صامتة:

تعلم أن الخير لا يقاس بكثرة الطعام، بل بصدق النية.

تذكر أن روح الجماعة والتشارك في الرزق تزرع الأخوة في النفوس.

تحفز كل حاضر على المشاركة في بناء مجتمع أكثر إنسانية، بعيدا عن الصراعات والخصومات.

أما من الناحية الاستراتيجية، فالحدث الرمضاني الذي نظمته قيادة التحالف العربي بالمحافظة الليلة السبت، يحمل رسائل سياسية واضحة على درجة بالغة من الاهمية. يمكن عرضها منذ لحظة دخول قائد التحالف العربي الجديد بالمحافظة، العميد مصلح العتيبي مائدة رمضان في مدينة عتق، بطريقة يسيطة، لافتة، لم يكن مجرد ضيف رسمي على حدث رمضاني اعتيادي. باشر بالسلام على الناس والتعريف باسمه الكامل وابتسامة هادئة تعلو محياه، أرسلت رسائل أعمق من أي خطاب رسمي: كسر الحواجز، وأعاد الثقة بين المجتمع وقيادة التحالف، أعادة تعريف حضور القيادة على أنه إنساني قبل أن يكون سياسيا.

جلسته على المائدة لم تكن مجاملة عابرة، بل استراتيجية مدروسة ومتصلة بالروحانية:

كل مصافحة، وكل ابتسامة، وكل كلمة ودية كانت جسرا بين القلوب والعقول، يربط بين فطرة الخير وبين أفق المسؤولية.

حضور المائدة في رمضان لم يكن اختيارا زمنيا بريئا؛ فالوقت الرمضاني يجعل كل فعل له عمق معنوي، فتتحول اللحظة إلى درس في القيادة الإنسانية، حيث تتداخل الرمزية الدينية مع الواقع السياسي والاجتماعي.

المائدة نفسها، بكل بساطتها، تحولت إلى فضاء استراتيجي: اجتماع الناس حولها يتيح الانفتاح على المجتمع المدني، ويؤسس شبكات ثقة حقيقية، بعيدة عن البروتوكولات الرسمية وحدود السلطة.

الرسائل التي حملها حضوره متعددة الأبعاد: المشاركة في لحظة رمضان مقدسة، و مجسدة للعطاء والرحمة : التفاعل المباشر مع الناس، وكسر العزلة التي تفرضها الأعراف الرسمية: تعزيز الانفتاح على المجتمع، بناء الثقة، وتمهيد الطريق لتحقيق أهداف القيادة بقبول شعبي حقيقي.

بهذه الطريقة، أصبح العميد العتيبي رمزا للقيادة المتوازنة بين القلب والعقل:

ليس القائد الذي يفرض سلطته بالقوة وحدها، بل من يستطيع أن يجمع بين التواضع والوعي، بين الروحانية والفعل السياسي، بين الحضور البشري والقرار الاستراتيجي.

هكذا فهمت الجانب الاستراتيجي من حضور العميد العتيبي، للمائدة، وتدشين حضوره القيادي في المحافظة بها، فهي لم تكن مجرد طعام للجسد، بل درس عملي في القيادة والإيمان، حيث يتلاقى العطاء الرمضاني مع فن إدارة العلاقات، فتتحول اللحظة إلى نموذج حي لرسالة إنسانية وسياسية في آن واحد.

ويبقى السؤال معلق عن سر غياب وتخلف قيادة السلطة المحلية عن المائدة، ؟فمن يجيب؟.